أشرقت شمس ثاني أيام العيد، وندر أبو مبخوت من الدور الأعلى إلى السافلة. لقي أحفاده مصطفين فوق الدرج، قال «يا الله تعطيهم العافية، صحيتم بدري يا حباني؟» فأجاب أكبرهم «لا والله يا جد ما بعد رقدنا من البارح صاحين» وبقية الأحفاد كل نظره على شاشة جواله. سأل عن آبائهم وأمهاتهم فأجابوه بصوت واحد «راقدين».

تلفت ليمينه وشماله لقي الدنيا سامطة، قال: ما ودكم تجيبون لنا فطور من السوق، ردّوا عليه: شبعانين تونا أكلنا (ماك) تساءل: شنهو ماك ذيه؟ تضاحكوا وقالوا: أكل من مطعم نطلبه بالتلفون ويجيء إلى حدنا، وأضاف الكبير: تبغي نطلب لك يا جد.

زفر أبو مبخوت وندف صدره مردداً يا غبوني على عمري وجهدي وشوفي والصبا، كان يطري عليّ الشوق وانا بغدر الليل سـاري، واليوم امشي بضي الشمس والعمر يداوش بنـــــا، كن في الرجل ثقالة وكن العصىاة متـان عـــــود، والذي ما عرفني قال من وين هذا الشيب الاحنـــا، يتهزا بلون الشيب والشيب يتهزون به.

ناداهم فاجتمعوا حوله، وقال: يا سفاني أنتم في نعمة، ووفرة لكنكم فقراء، تلفتوا في بعض، واصل كلامه: أنحن ثاني أيام العيد نقوم على دق الزير ونقع الدفوف، ويتوافد الجماعة على بيت العريفة بالخبز والمرق والتمر وصحون اللحم القليم الدسمة والمبهرة والمملحة، والشباب اللي في أعماركم محيطين بالمشب والدلال عامرة بالقهوة تفوح من جنباتها رائحة الهيل، وبراريد الشاهي المعطرة بالحبق تدور في المجلس والصبابة يتراقصون على الأنغام.

قالوا: تكفى كمّل يا جد، أجاب: أبشروا، وواصل «كنا نرقص ونلعب عرضة ومسحباني، ونردد قصايد تشرح الخاطر، والنسوان جنبنا في حوش العريفة يدقين الدفوف من الضحى حتى المغرب، وفي الليل نلعب الشِبك»، أضاف: كان للعيد طعم يا فروخي.

ظهرت الجدة من البلكونة مستنكرة إزعاجها بالصوت، وسألت الشيبة: وش صحاك بدري؟ أجاب: وش أقعد أسوي جنبك أتشمشم عطورك الفواحة؟ قالت: ليش ما صحيتني أسوي لك قهوتك؟ قال الله يسقي، كنت ما أعوّد من المسيد إلا دلتي راشقة وفطوري والم، ومن يوم مات مصلح باحت العلوم. علمي وسلامتكم.