الشعوب واجهة الدول الأمامية، وعنوانها الأبرز في الرقي والتمدن، أو الانحطاط والتخلف، فالآخرون من الباحثين الموضوعيين يحكمون على الأمم من خلال اختلاطهم بالناس والأجناس، ومتابعة أقوالهم، ومراقبة أفعالهم، ورصد حركتهم وتصرفاتهم وأخلاقهم في الشارع والعمل والمقهى، وكثيراً ما عبر مؤرخون وباحثون محيطات وبحاراً للوصول إلى منطقة من العالم والاطلاع على أحوال المواطنين، والتعرف عن قرب عليهم (كيف يفكرون، ويعملون، ويتكلمون، ويعيشون).

غالبية الشعوب العربية في سخط دائم على حكوماتها. التي هي عندها سيئة السمعة على كل حال. مهما حاول القائمون على تلك الحكومات بذل ما في وسعهم لاستيفاء خدمات ناقصة. أو تحسين قائم، أو تدشين مشروع جديد، ويمكنك معرفة المواطن العربي من تجهم وجهه، واستنفار مشاعره ضد حكومته، كون الأسعار في غلاء دائم والإنسان هو الذي يرخص فقط، والشوارع حفر، والإدارات فساد، والبركة تنقص.

عدم رضا شعب ما عن أداء حكومته أقرب للفطرة البشرية التي تتطلع دوماً للكمال، وحتى في ديار الغرب الذين سبقونا في الإصلاح والتمدن واحترام إرادات الشعوب لا تخلو بلدانهم من احتجاجات وشتم ورجم مسؤولين بالبيض الفاسد تعبيراً عن الغضب عليهم.

دعونا نتساءل بموضوعية: ماذا عنّا نحن معاشر الشعوب، هل بلغنا مستوى متميزاً من الوعي والسلوك واحترام الأنظمة، وعدم الاحتيال عليها، والحفاظ على المال العام، واستشعار مسؤوليتنا عن كل صغيرة وكبيرة في وطننا، بدءا بمسؤولية الأمن، وليس انتهاء بتنظيف الطريق من المخلفات، أو أضعف الإيمان بعدم رمي مخلفاتنا في الطرق والمتنزهات دون وخزة ضمير.

ربما رزحنا طويلاً تحت عناوين الرفاهية، وتصورنا أن معانقة عقود الرخاء لن تنفك، علماً بأن كل شعوب الأرض دارت عليها الدوائر، وتلك الأيام نداولها بين الناس، ومن لوازم المواطنة الحقة التي نتغنى بها ونتطلع إليها أن نكون (أوادم) كما يقول أهل الشام.

أتصور أننا لو تبنينا منهج تقييم الذوات قبل تقييم الحكومات لانقلبت المعادلة، فالوزير والمدير عندما يكون في ذهنه أنه يخدم شعباً راقياً وحضارياً غير المدير الذي يتصور أنه يحرق أعصابه ووقته على حساب رعاع وسَوَقة وصعاليك. سمعة الشعب مهمة وأهم في نظري من سمعة الحكومة. وكما تكونوا يولّ عليكم، كما جاء في الأثر.