نولد طبعا أطفالا رضع، وكيف لنا أن نحلم أم نتمنى، ولكن لو كان لنا ذلك أما كنا نحلم بأن نرتوي من حليب أمهاتنا، أما كنا نتمنى أن لا تتركنا والدتنا مع الخادمة، فهي غالبا قاسية القلب شاردة اللب قلبها ليس معي، أما ابن الأغراب إنه مع زوجها أو ابنها الذي تركته هناك في ديارها لتعمل في بلد يبعد عن أهلها آلاف الأميال، ولكن هذا من أجل ذلك الطفل لتضمن له العيش المعقول، لقد حرم من حنانها جبرا، ولكن كيف تعطيني ذلك الحنان الموقوف على ذمة رحلة العيش المر والسنين العجاف من الود والأمومة والحياة الزوجية وفقدان الرفقة والصداقات.

كم كنت أرجو أن تكون تلك العاملة في بيتها ترعى فلذات كبدها لأنعم أنا بحنان أمي، كم وددت أن أنام على صدرها أكثر الأوقات الممكنة، وأن لا أحرم منه حتى عندما أكبر، لأن فترة رعاية الخادمة لي هي المسمار الأول في اسفين استمرار ذلك الزخم من الحب الذي اختص به الرحمن الأم، ما هو الفرق بين أم تركت فلذة كبدها وسافرت إلى ديار بعيدة لتضمن له عيشا ربما ليس كريما بمفهومنا ولكنه كاف لتبقيه على قيد الحياة، ثم لينطلق في مرحلة التعليم، ومن ناحية أخرى أم جلبت والدة بالنيابة من ديار ليس لها نفس اللغة ولا العرق ولا الثقافة لتترك بين يديها ابنها الغالي لتتفرغ للسهرات والإجازات والأفراح، بينما الطفل لو له قدرة لنطق وقال من هي أمي؟ أريد أن أعرف هل هي التي أتت من آخر الدنيا لتأمين مستقبل ولدها وفِي نفس الوقت تقوم برعايتي.

أم الأخرى التي لا أراها إلا بعد أن ترضعني الشغالة وتحممني وتلبسني وتلعبني وتأتي أمي التي أنجبتني وتسأل الشغالة «انتبهتي للولد زي الناس» يافلانة. عسى ما زعلتيه منك. هيا روحي حطيه في السرير وخلي بالك منه لين ينام. لمن نقف باحترام لمن أنجبت وأهملت أم لمن رعت ابنها عن بعد مع ما حيلة المضطر إلا ركوب الصعب. ثم رعت في نفس الوقت ابن مخدومتها.

تعيش الخادمة التي تستحق أن يصمم لها وسام يطلق عليه وسام «الأمين» أي الوالدتين. ويوضع على صدرها بينما تستحق مخدمتها أن يطلق عليها أم مع وقف التنفيذ. ليس كل أم كذلك بالطبع ولكن صرن عد واغلط. وهذه رسالة لكل أم أو حتى أب يترك عياله رأس ماله ولا يعتني بتربيتهم. عيالنا آمالنا. إذا لم نحسن الغرس بالبذرة الطيبة لا شك سنحصد ما صنعته أيادينا.