هل للدولة وظيفة فكرية، وهل من شأنها بناء المجال الثقافي الفكري للمجتمع؟ وإلى أي درجة تحتاج الدولة الذاهبة نحو المستقبل إلى عتاد فكري وثقافي في هذه الرحلة الطويلة؟

في الواقع تتحاشى كثير من الدول هذا النقاش وهذه الأسئلة ذلك أنها تقع في دائرة فلسفية معقدة نوعا ما، والكثير من النظريات والأطروحات التي تناولت دور الدولة والمؤسسات في البناء الثقافي للمجتمع ركزت على قضايا الهوية والتنمية الثقافية بينما انشغلت أخرى بالحديث عن دور المؤسسات الثقافية.

في مثل هذه القضايا تصبح النظريات العامة والمطلقة غير قابلة للتطبيق، ويصبح من الضروري بناء نظريات خاصة بكل دولة ذلك أن اختلاف التجربة ومعطيات تأسيس كل دولة وواقع النظام وشكله يؤدي حتما إلى اختلاف التوصيف النظري للحالة الفكرية ولدور الدولة في تشكيلها.

التجربة السعودية إحدى أكثر التجارب تعقيدا في ما يتعلق بتوصيف البعد الفكري للكيان وتحولاته وإشكالاته منذ التأسيس إلى اليوم، ذلك التعقيد ليس خللا لكنه يأتي بسبب طبيعة التركيبة السعودية المتنوعة وبسبب التحولات التي تشهدها كل مرحلة وبسبب غياب الرصد الدقيق والدراسة المتعمقة لكل ذلك.

أول ما يجب تقريره هو أن المعطى الكبير المؤثر في شخصية المملكة، الذي كان حاضرا فترة التأسيس لهذا الكيان العظيم لن يظل وحيدا وستنتج التفاعلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية معطيات أخرى مؤثرة أيضا.

لم يؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن دولة دينية ثيوقراطية، بل أسس دولة إسلامية مدنية على مستوى الرؤية والتطلع، ذلك أن الوسط الاجتماعي الذي شهد قيام الدولة كان بدائيا للغاية ويصعب إقحامه السريع في ثقافة جديدة ويغلب على ذلك المجتمع الذي شهد قيام دولة فكرة الخوف والممانعة؛ الخوف من كل جديد والممانعة أمام كل ما ليس بمألوف. (يحتفظ السعوديون بكثير من القصص عن رفض المجتمع مبكرا لكثير من المخترعات والإجراءات الحديثة ويتناقلها الجيل الحالي كنوع من الطرائف).

كيف استطاعت الدولة أن تتجاوز ذلك المأزق الثقافي؟ أولا إكساب المجتمع طمأنينة كبرى أن كل ما سيحدث لن ينتزع منه قيمه التي يخاف عليها، ذلك أن المؤسسة هي جزء أصيل من تلك القيم، ثانيا بناء حالة فرز بين القيم الثابتة والقيم القابلة للتطوير والتغيير، ثالثا وهو الأهم: الإسراع في بناء وتوسيع العوامل والأدوات التي تعين على التغيير وتجعله ناتجا اجتماعيا أكثر من كونه قرارا سياسيا؛ التنوع والتوسع في التعليم والتوظيف وبناء المؤسسات والابتعاث والانفتاح النسبي كلها عوامل أسهمت في بناء تغيير فكري اجتماعي راشد تحول بعد ذلك ليؤسس لطيف وطني واسع ينشد مزيدا من التغيير والتطوير.

كانت أبرز المواجهات العسكرية في التاريخ السعودي مواجهة ذات طابع فكري وثقافي: معركة السبلة مثلا كانت مواجهة من أجل بناء وترسيخ فكرة الدولة مقابل فكرة الجماعة والرهط والقبلية، معركة جهيمان كذلك كانت مواجهة أمنية ذات طابع ثقافي بين فكرة الخلافة والمهدية وفكرة الدولة والحكم الرشيد والمؤسسة.

انتصرت الدولة في كل تلك المعارك وبقي المجال الثقافي متاحا لمختلف التيارات والتوجهات الفكرية، ولا تتدخل الدولة إلا حين يمس طرف من تلك الأطراف جانبا أمنيا أو يمثل تهديدا للسلم الاجتماعي، ولذا كانت المعركة الطويلة مع الإرهاب والتطرف والتي هي أيضا وبالدرجة الأولى معركة فكرية ثقافية ومحاولة لضرب قيم وأفكار الدولة الحديثة (كل خطاب الإرهاب مبني على بعد فكري ثقافي عقائدي).

كلما انتصرت الدولة في مرحلة اتخذت المواجهة شكلا آخر، ذلك أن التنوع الاجتماعي المتسارع أوجد قيما جديدة في المجتمع تزيح تلك القيم التقليدية القائمة على الرفض والممانعة وتبني أنماطا أكثر انفتاحا.

اليوم وفي ظل مرحلة سعودية جديدة للغاية أصبح للتغيير والتحديث سند واضح في التاريخ السعودي يمكن البناء عليه ويسهم في جعل الممانعة أقل تأثيرا خاصة مع انحسارها في جماعات ذات توجهات سياسية وحركية بينما بات المجتمع أكثر انتماء لمسيرة التغيير، وبات كل جيل يرى أنه يستحق التغيير الملائم لمرحلته.