أحدث القرآن ثورة اجتماعية، ونقلة نوعية في المكان والزمان والإنسان إبان نزوله، خلق حالة من التطور على مستوى التفكير والوعي والإبداع، ولعل مرد ذلك إلى طزاجة الوحي في أمة مفتونة باللغة وفاتنة بها، ولعل أولئك القوم استقبلوا النص استقبالا ندّيا وجدليا، حتى ترسّخت القناعة بأنه وحي يوحى.

من القواعد الأصولية: لا اجتهاد مع النص، وهذه المقولة تحجيرية على العقل، وأكل عليها الدهر وشرب ونام، ومن اخترعها أو وضعها لم يتوقع أن تتحول إلى سلاح يشهره بعض ضعاف الحِجاج لصد ورد أي محاولة لفهم النص وفق معطيات عصرية آنية تأخذ في الاعتبار تاريخانية القرآن وقابليته للقراءات المتعددة.

يعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أجرأ الباحثين الموضوعيين في التعامل مع النص المحكم وليس المتشابه، فبرغم قصر المدة بينه وبين عهد النبوة، إلا أنه اقتحم ميدان الاجتهاد في النص لصالح النص، وشرع ما يصطلح عليه اليوم القراءة المتجددة للدلالات النصية، كان ذلك بعد عامين تقريباً من وفاة النبي عليه السلام.

‏ربما يتساءل إنسان: هل أمكن تحول المجتمع في عامين من صورة كان عليها إلى صورة مغايرة في 24 شهراً هي زمن خلافة أبي بكر رضي الله عنه. وأرى أنه حدث التغيير وإن بصفة جزئية أو مرحلية، أي لم يكن التغيير دفعة واحدة، إلا أن انفتاح المجتمع المدني على معطيات غير مألوفة، واستقباله لفضاءات أرحب، استدعى انفتاح النص لاستيعاب ما هو جديد؛ لأنه إما أن يستوعب، أو يتصادم، أو يرفض.

عمر اجتهد بعقله، وفهمه الخاص، في وجود النص لصالح الناس، ومما اشتهر عنه أنه أوقف العمل بمصرف المؤلفة قلوبهم كون الإسلام عزيزاً ولم يعد بحاجة إليهم، ولم يقطع يد السارق عام المجاعة لأنه لن يسرق إلا جائع، لم يقل أحد إن عمر استهان بكتاب الله أو سنة رسوله، بل الفاروق ملهم، وله قراءاته الحضارية والتقدمية للنص.

أتصور أن من أسباب الصراعات بين المذاهب إهمال القراءة المتجددة للنص، وما هو إلا إرث لصراع القبائل العربية قبل الإسلام، توارثوه بشعارات وثارات متجددة، وكأن العرب في كل عصر يعيدون سيناريو (وأحيانا على بكر أخينا، إذا ما لم نجد إلا أخانا).