رأى أهل الحارة أحد شبابهم يذهب إلى حلقة الحطب ويجيء منها بكميات من أعواد الحطب ويكومها بجوار منزله، فسألوه عن الأمر وقد ظنوا أنه يريد إنشاء محل لبيع الفحم والحطب نظراً لما جلبه من كميات كبيرة ومتنوعة، منها الأعواد الخفيفة ومنها «القُرم» الثقيلة، ولكنه فاجأهم بقوله: لدي نية البحث عن عروس لأخطبها لنفسي من أسرتها وأعقد قراني عليها ومن ثم أقيم حفل لزفافي، ففهموا من جوابه أنه لم يبحث بعد عن العروس المناسبة ولم يحصل بالتالي على موافقة ذويها، فتعجبوا من أمره، وقال واحد منهم «لقد عبَّى الحطب قبل ما خطب» وعبَّى الشعبية بمعنى عبَّأ الفصحى، فذهب قوله مثلاً يضرب لمن يتعجل في أمر من الأمور فلا يعد له الإعداد المناسب ولا يبدأ بكل أمر حسب أهمية وترتيبه وأولويته، بل يحرق المراحل حرقاً فيكون من الذين ينطبق عليهم هذا المثل الشعبي الآنف الذكر.

هذا المثل قد يتحقق وينطبق على جوانب من الحياة الإدارية والمالية، فيكون وقعه أشد وأنكى فإذا وجدت إدارة تهتم بالمظهر دون المخبر وتعطي الأولوية «للزبرقة» مقدمة الشكليات على أمور أهم مثل تعيين الموظفين الأكفاء والاهتمام بالتأهيل والتدريب لمن هم بحاجة إليه وتطوير أساليب العمل والإجراءات واختصارها، فإن بعض الإدارات «الرخامية» تكون قد أجلت ما هو مهم وصرفت الأموال والإمكانيات على الأقل أهمية، وعبأت المكاتب بمن لا يحسنون إدارة ولا استقبالاً ولا تقديم خدمة، حتى لو جلس الواحد منهم على مكتب وثير وأمامه جهاز حاسب متطور متصل بإنترنت، بل إن مثل هذه الإمكانيات قد تجعله يحول المكتب وأجهزته إلى وقت مثالي للتسلية والتواصل الاجتماعي وقراءة آخر الطرائف والنكات والأخبار وغيرها مما لا علاقة له بالعمل، فإذا جاءه مراجع في معاملة قال له بلهجة زاجرة: استرح، فيظن المسكين أن ذلك الموظف مشغول بإنهاء معاملة سابقة ولكنه يفاجأ به وهو يطلق ضحكة عالية مردداً عبارة: الله يِسامحك.. ذكرتني بالأيام الخوالي!

وأخيراً فإن كانت سذاجة ذلك الشاب جعلته يعبئ الحطب الذي تعد به وليمة العرس قبل البحث عن العروس، فإن عدم الاهتمام بأولويات العمل الإداري والمالي يعد نوعاً من التبذير المتعمد للمال العام وضرر هذا التبذير عام وطام يا سيد عصام.