لعل اضطراب الهوية من أخطر ما يمر به إنسان سواء على مستوى الهوية الجندرية، أو الأيديولوجية، أو القومية، أو الوطنية.

واضطراب الهويات مرده إلى قلق نفسي ووجودي يضرب أعماق الذات، ويقع المضطرب في إشكالات منها نفي الآخر والعدوانية تجاهه وتتصاعد الحالة أحياناً للتحول إلى أزمة يترتب عليها تدمير الذات ومحاولة الخلاص من الحياة.

هناك من يتساءل عن أسباب جنوح البعض إلى تغيير الهوية، وتتعدد وجهات النظر بين ربطها بالاجتماعي، وبين قراءة نفسية، وبين من يندد، ويتوعد، بل ويدعو على كائن مأزوم لا حيلة له للخروج مما هو فيه.

ربما لم يفقه كثير من الدعاة والوعاظ والقُصّاص والمذكرين أن الجيل المعاصر والأجيال المقبلة لم تعد تركن للإنشائيات ولا تسلم بالتقليدي من الأدبيات كون شرائح الشباب المسلم في كل أرجاء المعمورة تمتلك وعياً، وحسّها الحواري راقٍ، ومعظم هذه الشرائح إن لم يكن كلها تبحث عن معززات القيم الأخلاقية، لتحافظ على هويتها الإنسانية في ظل محاولات البعض تأطيرهم بين من يحاول تذويب الدِّين كلياً، وبين مجتهدين في تشويه الإسلام بالتطرف والإرهاب.

أتصور أن الارتباط بالله فطرة وجِبِلّة، وعندما نسمع عن إنسان قلق على هويته الدينية ينبغي أن نحيط الأمر بأسئلة، ما الذي دفع به إلى القلق؟ وماذا ينقم على هويته القائمة أو الفاعلة؟

بالطبع تكاد تجمع الرموز الإنسانية العالية أن المغذيات الراجعة التي نحاول تلقينها لا تحقق هدف ملء الخواء الروحي.

ولعل المناسب عندما يثبت لنا أن هناك من يعاني قلقاً ما على هويته أن يحتوى ويحترم. فالأديان حجة على أتباعها، وليس المؤمنون حجة على الدين، ومن رموز الوعظ الديني في أرجاء العالم من يهملون العقل الأخلاقي الذي يجمع بين أتباع الأديان، وهناك من يجرّم أسئلة البحث عن هوية، علماً بأنه ليس عيباً أن نبحث عن الله، ونتتبع آياته، ونقرأ في كل الشرائع، لتحسين أخلاقنا، لا لتغيير معتقدنا.