عاتبني صديق على تخلي المثقفين عن دورهم النخبوي، وبرّر العتب بالركود الذي لم تشهده حقبة من الحقب السابقة كما قال، ومال على الصحافة الثقافية ميلة عاشق فقد الأمل في عشيقته، وعندما استنفد احتشاده ولملم أنفاسه، سألته: ألستَ من المثقفين؟ فماذا قدمت؟ فقال بالشعبي أنتم: باعة كلام.

اكتشفت أن الحيرة الوجودية التي تحتل مساحة من تفكير المثقف الحُرّ قد طاولت صديقي. فالمتناقضات، والثوابت والمتغيرات، والموت والحياة، وما ورائية الكون وعالم الميتافيزيق، كل ذلك مقلق، لأي كائن حضاري، يحلم بتحقق منجز الأرض الموعودة قبل خروجه من الدنيا.

لظروف الحياة دور في تشكل كل واحد منا، وربما تنجح في هلهلة أفكارنا ونفسياتنا معها، في ظل مجتمع يتبنى المغالبة على حساب القيم والمبادئ السامية النبيلة، وللصديق عذره في العتب والشجب والاستنكار.

سألني: أين مشاريع النخب؟ أجبته بأن الدولة العربية كفرت بمثقفيها منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، الذي كان يحتوي أي مثقف معوز أو مريض أو طالب علم، ثم نشأت ثقافة رأسمالية استهلاكية فأحضرت المثقف المُقرِش جيد الولاء، وألغت المثقف المُنتّف رغم كل ما يتمتع به من نبل وخلق وانتماء.

سألني: هل من مثقف وطني اليوم؟ قلت: السؤال إشكالي كون المفاهيم تغيرت والنزعة الإنسانية هي الغالبة، ومن الصعب أن تخضع كل مثقف لاختبار نوعي يتم من خلاله الفرز بين الوطني وبين سواه. قال: هل هناك من يخفي في نفسه ما لا يبديه؟ قلت: بالطبع لأن المثقف يخشى سوء الظن به إن تحدث عن قناعاته، كما أنه يتحاشى الاصطدام بالسلطة في ظل ضبابية المشهد وتردي الرؤية أفقياً ورأسياً، كما أن السلطة ترى في المثقف مزاجية عالية تسبب إرباك المجتمع، نظراً لما يمور في داخله من الحاجات والنزوات والأهواء رغم ما يطالب به من أهداف ومُثل لأنه أولاً وأخيراً إنسان.

قال: يعني ما فيش فايدة. فقلت: الفائدة نسبية إذا أمكن للنخب استرداد هوية المجتمع المختطفة من تيارات وشعارات وافدة، شرط أن تحفظ للمثقف كرامته ومكانته، ويؤمن به الناس كما آمنوا بالوعاظ والدعاة.