تخيل أن تلتحق بإحدى الكليات لنيل شهادة دبلوم أو ماجستير، وتكون من أكثر الطلاب تميزاً في الحضور والمواظبة، بل إن الدكتور من كثر تفاعلك مع شرحه وتجاوبك مع نقاشاته أصبح يناديك بالاسم، ثم إذا ما انتهت مدة الدراسة التي استغرقت سنة أو سنتين، وجاء اليوم الموعود لاستلام النتيجة، قال لك الدكتور وهو يرفع النظارة عن أرنبة أنفه: لقد قررت الجامعة رفض طلبك المتمثل في الالتحاق بهذه الكلية لأنك لم تكمل الأوراق المطلوبـة منك؟!

طبعاً هذا الاحتمال قد يبدو مستحيلاً، بل وغبياً في نظر الغالبية، ولكنه للأسف الشديد يظهر بصورة أخرى واقعا ملموسا حدث ويحدث كثيراً، ليس لدى الجهات الأكاديمية، وإنما أمام المحكمة الإدارية التي يلجأ إليها الناس عادة لرفع الظلم عنهم !

يحدث ذلك غالباً حين ينادي كاتب الدائرة بقاعة الجلسات على اسم المواطن ثم ينادي على مندوب الجهة الحكومية، والحقيقة أنها المرة الأولى التي تشعر فيها من هيئة الخصمين وهما يقفان أمام القاضي أن المدعي خائف بينما المدعى عليه غير مبالٍ، عندها يسألهما: هل اكتفى كل منكما بما قدمه من دفوع وأسانيد خلال مرحلة سير الدعوى، فيجيبانه: نعم، وهنا يتنحنح فضيلته قبل أن يصدر حكمه قائلاً: لقد تقرر رفض الدعوى لأنه كان يجب على المدعي (المواطن) اللجوء أولاً للجنة المختصة بالجهة الإدارية بدلاً من اللجوء مباشرة للمحكة الإدارية (ديوان المظالم)؟!

ردود فعل المواطنين الذين مروا بهذا الموقف الصادم بالمجلس القضائي تكاد تكون واحدة: إذ يبدأ المدعي منهم بالتلفت يميناً ويساراً (لأنه لم يفهم شيئاً)، ثم يطلب من القاضي إعادة إعلان منطوق الحكم، ليقول له معقباً: يعني كيف يا شيخ مالي شيء؟!، فيجيبه فضيلته: حكمنا هذا من الناحية الشكلية لوجود خطأ بالإجراءات المتبعة، ليرد المدعي منفعلاً وقد بدأ الإعياء عليه: طيب القضية منظورة أمام المحكمة لها أكثر من سنة، من جلسة لجلسة، مرة تطلبون الجواب ومرة تطلبون المزيد من الإثباتات، كان قلتم من الأول إن إجراءك غلط علشان أصححه!!

دائماً ما يظهر القاضي في مثل هذه المواقف الهدوء ويحاول ضبط انفعال المدعي بقوله: احنا نقبل القضية ونسير فيها، بعدين نصدر الحكم وفق النظام.. ثم إذا لك اعتراض تعال بالموعد الجاي استلم الصك وارفع تظلمك لمحكمة الاستئناف خلال مدة الطعن، والحين الله يصلحك لا تعطلنا ورانا جلسات ثانية. حينها لا يجد المدعي شيئاً يقوله غير: ولكنني يا فضيلة الشيخ أشعر بالدوار والظلم الجائر.. وأنا على فكرة ما أسامح بحقي أبداً.. أبداً.