قد اطلع أكثرنا على قصة لفتاة غادرت منزل أهلها بعد خلاف معهم، ثم أخذت فرصتها في العمل والسكن دون أن تقع في مخالفة أو مساءلة نظامية، ثم تم القبض عليها بناء على إبلاغ والدها للجهات المختصة بتهمة الهروب من المنزل، والواقع أن الحالات المشابهة لهذه الحالة توضع في دور رعاية الفتيات، حتى وإن كانت ليست بحاجة إلى اللجوء إليها أو كان في مقدرتها الاستقلال عن بيت الأسرة حتى وإن كان تصرف الفتاة لا يرضي أسرتها.

ليس من المعقول أن يؤخذ إذن الولي كمأخذ يدين المرأة دون مساءلته عن الأسباب التي أدت إلى مخالفتها له، إذا كانت النتيجة لتصرفها لا تخرج عن الضوابط الدينية والأخلاقية، ذلك أيضا يشير إلى حالات التناقض التي تعيشها المرأة المغتربة في الواقع، فهناك الكثير من النساء اللاتي يغتربن عن أهاليهن لظروف العمل أو الدراسة بداخل الوطن أو خارجه، ولكن المعيار الحاكم الذي يحدد الاعتراف بحق المرأة هو عامل «التراضي» بين المرأة وذويها وليس حق المرأة نفسه! بناء عليه فإن الولي يعطى حق الرفض أو القبول، وإذا كان الأمر كذلك فهو يأتي على سبيل التمكين لسلطته وتعسفه، وبالتالي شرعنة الموقف بالنظام إضافة إلى الاستجابة والانقياد إليه واعتباره شأنا عائليا بصرف النظر عن حق الطرف المنتهك في القضية.

كان من الجيد أن تكون الأسرة على قدر من الوئام يعطي أفرادها حقوقهم ويستوعب احتياجاتهم، لكن الأمر المؤسف في وصول بعض الحالات إلى درجة من التفكك الذي يتعذر إصلاحه، ما يؤدي إلى خروج الفتاة أو «هروبها» على حد التعبير المتداول، وقد كشفت أحدث إحصائية أعدتها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية عن 1750 حالة «هروب» تشكل نسبة المعنفات فيها 35% خلال عام واحد، وإن كان الهروب والخروج يؤدي إلى نتيجة واحدة، فلو غادر احد الشبان تاركا منزل عائلته فلن يصنف ذلك بالهروب، وبالتالي لن يعامل كمجرم، لكن خروج الفتيات يصنف كذلك للاختلاف بين الحالتين في الذهن الثقافي، فالفكرة إجمالا تسلط الضوء على اعتبارات التمييز بين الجنسين وطريقة التعامل مع كل منهما.

مع ذلك لا بد من الإشارة إلى أننا التمسنا نقطة تحول في قصة الفتاة بعد أن تم الإفراج عنها، وهذا يعني تجاوز القضية من كونها «شأنا عائليا» إلى إقرار الحق الشخصي لها، على أمل أن يبقى التراضي شأنا عائليا لا تعد مخالفته جريمة على الأخريات في المستقبل.