التجاوب الواسع والتفاعل المؤيد لما طرحته في مقال السبت الماضي بعنوان (سناب سافرنا وأكلنا نقص واستفزاز) وإعادة نشره في (هاشتاق السعودية) وبعض الصحف الإلكترونية ووصول إعادة التغريد حوله لأرقام تفوق 400 خلال ساعات، يدل دلالة واضحة أن شريحة واسعة من المجتمع تعاني معاناة شديدة أو مستاءة جدا من سلبيات بعض ما يرد في مواقع التواصل الاجتماعي (سناب، واتس، وفيسبوك)، وأن فئة أو طبقة من المجتمع متضررة كثيرا مما تنشره فئة أو طبقة أخرى في مواقع التواصل، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق باستعراض التميز أو ما يعرف بالهياط، خاصة ما يمس احتياجات كافة الأسرة كالطعام والملبس والسكن والسفر وطبعا نوع السيارة.

من المؤكد أن السفر والذي ركزت عليه في مقال السبت هو الأكثر تأثيرا في نفسيات الأطفال ثم البنات فالأولاد، والمقارنات حوله تحرج رب الأسرة كثيرا، لكن مهايط الإسراف في ولائم الطعام يؤلم عددا غير قليل في الداخل وكبيرا جدا في الخارج في أنحاء العالم من الجياع، والتفاخر بمسكن تقاس مساحته بوحدة الكيلو متر لا بد أن يؤثر في نفسية من ينتظر سكنا يقاس بوحدة الشبر! واستعراض سيارة مطلية بالذهب لونا وبالملايين سعرا لا بد أن يغيظ من لا يملك القدرة على ركوب سيارة أجرة من وإلى مقر عمله يوميا، وعندما تعلن امرأة أن فستانها كلف مليونا فإن مليون جسد عارٍ يؤكدون أن ذلك التبذير عار والإعلان عنه أشد عاراً ويطلق على قلب العاري عيارا!.

ندرك بما أوتينا من نعمة الإسلام أن الأرزاق يقسمها الله، فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر (أي يوسع الرزق لمن يشاء ويضيق الرزق على من يشاء)، وله في ذلك حكمة، وهو سبحانه من حرم الخيلاء والكبر والتفاخر وأن تستخدم بسطة الرزق في إغاظة من قدر الله عليه رزقه، إن ما تنقله وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من أخبار الإسراف والتبذير والصرف المبالغ فيه يقابله كم عظيم من أخبار الحاجة والفقر والجوع، يؤكد أن المصيبة الكبرى ليست في توزيع الأرزاق ولكن في شح الأخلاق الذي جعل من هذا التوزيع وسيلة إغاظة وتفاخر تزامن مع نعمة تسهيل تقنية التواصل التي حولتها أزمة الأخلاق إلى نقمة! والعاقل من يحقق المصلحة الإنسانية والوطنية بالامتناع عن ممارسة الاستفزاز من ذات نفسه، فيستمتع بما أنعم الله عليه بعقلانية ودون استفزاز للآخر، وإلا فإن لسان حالنا يصفه قول الشاعر (فينا واحد يلعب.. فينا واحد يعاني.. واعتقد فينا واحد ما يستاهل الثاني)!! وهذا خطير.