بسرعة البرق تتداول مواقع التواصل مشاهد الرحلات التجريبية الناجحة لقطار الحرمين، وبشيء من التفاصيل المصورة الرائعة عن القطار وتجهيزاته والمحطات ومرافقها وكثيرون يمنون أنفسهم برحلاته، فقد نثر هذا الإنجاز الكبير الفرح وهو يستحق ذلك باختصار 450 كيلو مترا يقطعها في ساعتين ونصف الساعة هي زمن السفر بين مكة المكرمة والمدينة المنورة مرورا بمحطات حيوية أخرى كمدينة الملك عبدالله الاقتصادية والمطار، بعد التشغيل بإذن الله خلال أشهر قليلة.

الأرقام تظل تتحدث عن قيمة المشروع عندما تتحرك رحلات 35 قطار على الخط، كل واحد منه يتسع لـ 417 مقعدا مجهزا، أي ما يعادل سعة أكثر من 10 حافلات كبيرة وخلال مواسم الحج ترتفع إلى 830 راكباً لكل قطار، وفي مرحلة التشغيل الكامل سينقل 100 ألف مسافر تقريباً يومياً، تصل في أوقات الذروة نحو 240 ألفاً، حيث أنشئ هذا المشروع ليخدم نحو 60 مليون راكب سنوياً، خاصة مع مشاريع تطوير المدينتين المقدستين لاستقبال نحو ثمانية ملايين حاج و30 مليون معتمر مع حلول عام 2030م، أي بعد 12 عاما هي في عمر الزمن والتطور قصيرة جدا.

وها نحن على أبواب موسم الحج وهي مناسبة لنتذكر ما حققه قطار المشاعر من نقل ملايين خلال أيام في أقل زمن وتكلفة وأكثر سلامة للركاب ونظافة للبيئة، وكلنا أدركنا أيام الحج في الماضي، حيث عشرات الآلاف من الحافلات المتكدسة داخلها وفوقها في كل موسم، حتى كان السير على الأقدام أرحم وأسهل وأسرع من حركة تلك الحافلات كبيرها وصغيرها، ناهيك عن التلوث البيئي الذي كان يغطي منطقة المشاعر قبل القطار.

القطارات وسيلة حضارية سريعة وآمنة واقتصادية، وتعتمد عليها معظم دول العالم، وعرفته بلادنا في القرن الماضي، ولكن اليوم هناك معنى مختلف في ربط مدننا الحيوية بقطارات سريعة وفخمة ترحم الملايين من أعباء النقل البري وتكلفته وأعطاله وحوادثه واستغلال المواسم في مضاعفة الأجرة، بل سيتمتعون برحلة القطار، كما سترتاح الطرق من زحام الحافلات ومشكلاتها، وسيتعافى قلب المدن أكثر من التلوث والاختناقات المرورية، وإن كانت هذه المدن الرئيسية ستحتاج إلى خطط مرورية موازية لاستيعاب وتنظيم حركة المرور مع رحلات الوصول للقطارات خاصة في مكة المكرمة، والحاجة إلى توفير وتنظيم وسائل نقل مجهزة للنقل من محطات الوصول دون تركها للعشوائية والاستغلال.

الأمر الآخر هو مشاريع القطار والمترو داخل مدننا الرئيسية فوجودها بات ضرورة حضارية وحياتية، كما هو الحاصل في مشروع مترو الرياض الجاري تنفيذه، كما أن جدة على موعد نأمل ألا يطول، فهذه الوسائل ليست ترفا بل أكثر من ذلك كونها علاجا لمشكلات المرور والشوارع داخل هذه المدن التي تحتاج عاجلا غير آجل إلى شبكة نقل عام بحافلات نظيفة وراقية تغطي الشوارع والأحياء الرئيسية، وفيها من العوائد والفوائد الكثير على الشوارع والبيئة والاقتصاد في الوقت والمال، مقارنة بالسيارات الخصوصي التي تختنق بها شوارعنا، فالنقل العام أقل تكلفة مع زيادات أسعار الوقود، واستفحال أزمة المواقف، كذلك الحد من سيارات الليموزين التي تجوب كل شبر من الشوارع. وأخيرا لابد من ترسيخ ونشر ثقافة النقل العام في مجتمعنا باستخدام هذه الوسائل الاقتصادية، والمحافظة عليها باعتبارها مرافق حضارية ومكتسبات للوطن وللمجتمع والصحة العامة من ضغوط تلك المشكلات. كل التحية لهذا الإنجاز الكبير.