يقول صديقي: هل تبلدت مشاعري إلى هذا الحد، لدرجة أنني أصبحت أوقع أكثر من نموذج (إخلاء طرف) في وقت واحد، دون أن يرمش لي جفن، بل إنني أعود وأسأل المراسل متعطشاً عن ما إذا كانت لديه نماذج أخرى كي أمضيها بحد قلمي مع قهوة الصباح، لقد فارقت خلال الأشهر الماضية العشرات من الزملاء السعوديين بعد أن تم تسريحهم بفعل المادة 77، واليوم أفارق أضعافهم من المقيمين بعد إنفاذ الرسوم السنوية على التابعين، وإذا كنت في البداية أحزن كثيراً على فراقهم، فإنني الآن أبدو غير مبالٍ بعد أن اعتدت الألم ولوعـة الفراق!

هؤلاء العمال المجتهدون السعوديين منهم والمقيمين قد لا يجدون تلك الصعوبة في إخلاء طرفهم سواء مالياً أو إدارياً، لأنهم كانوا يؤدون أعمالهم بكل إخلاص وأمانة، لكن ماذا عن أولئك المنظرين الذين يتشمتون بهم ويقللون من معاناتهم، هل سيتمكنون خلال الأيام المتبقية من حياتهم من توقيع إخلاء طرفهم أمام الضمير الإنساني والأخلاقي؟!

العامل من هؤلاء، لا يفقد وظيفته فقط، بل يفقد معها أشياء كثيرة، قد تبدو هامشية في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة له عصب الحياة، كيف لا وهو يفقد مصدر رزقه، ويهجر المكان الذي عاش فيه، ويرى أحلامه تتحطم أمامه، ويخسر الثقة بالنفس، والأمان الوظيفي، وكل ما هو متعلق بالولاء والانتماء، ويتولد بداخله شعور قاسٍ بأنه إنسان غير مرغوب فيه، وأنه عالة على مجتمعه وناسه، وهو ما سينعكس لاحقاً على الوضع العام سواء اجتماعياً أو اقتصادياً أو حتى أمنياً، وقد قالها الفاروق عمر منذ زمن «إذا كان الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة».

إن العمال المخلصين السعوديين منهم والمقيمين هم الشموع التي تحترق من أجلنا ليل نهار لتضيء الجوانب المهمة في حياتنا، ومن العدالة أن تبقى قلوبنا تنبض بالحب تجاههم، أما إذا كانت مشاعرنا كما قال صديقنا قد تبلدت تماماً، فإنني أقترح على هيئة الترفيه استغلال مصطلح (إخلاء طرف) ذائع الصيت، ليكون هناك مهرجان سياحي ومسرحية باسمه، وأغنيه شبابية رتمها سريع تقول كلماتها (تعال يا حبيبي، استكمل إخلاء طرفك من حياتي)، ولندعو الجميع إلى حفلة صاخبة نرقص ونتمايل فيها على إيقاعات هذه الأغنية وعلى جراح العاملين المطحونين!