إلى زمن قريب كان المجتمع يستهجن الكلمة المسيئة والسلوك العبثي، ونعتبرها غريبة على مسامعنا وتؤذيها؛ لأنها كانت أقل انتشارا وأقل جهرا، وقت أن كانت الأسرة تتمسك بدورها والمجتمع لا يسمح بالسوء ولا الجهر به، لذلك كانت النفوس عامرة بالقيم الأخلاقية والاعتزاز بها.

ذاك الزمن الجميل تغير بثقافة السوء والجهر به عبر التواصل الإلكتروني والميديا الحديثة، وأصبح التحريم ضعيف الأثر والعيب الاجتماعي كأنه في (خبر كان) فشبكات التواصل وبرامج الهواتف الذكية رغم فوائدها وإيجابياتها الهائلة في الحياة والمصالح العامة والخاصة، انتشرت مثالبها ومخاطرها وفضائحها التي تكشف أدرانا كثيرة. فالعالم الافتراضي يتيح التفاعل الذي يسير بهم في دروب شتى حتى جعلت قلوبهم شتى، وبدت التشوهات تصيب السمات الشخصية لكثير من المجتمعات، والعطب ينال من ذهنية ونفسية البعض ممن يأخذهم إلى حالة رمادية ضبابية، وربما إلى حالة قاتمة حالكة بالفكر الضال.

بالطبع الأجهزة المعنية مسؤولة مباشرة عن حماية القيم العامة والأمن بمفهومه الواسع والشامل، ومحاربة الجريمة بكل أشكالها ومنها الإلكترونية، من خلال الأنظمة والتشريعات، لكن نجاح الجهات المسؤولة في ذلك يستدعي دائما دور المجتمع ونواته الأسرة بالوعي الديني والوطني والسمو الأخلاقي وثقافة الالتزام الجاد بكل هذه المنظومة.

لا بد أن نتدبر واقعنا الحديث وننظر حولنا بصدق وعقل ويقظة، والخطرالأكبر يكمن في تمادي الاستسلام الاجتماعي لشبكات التواصل التي شجعت النفوس المريضة على جرائم الابتزاز، واتساع شروخ القيم وضعف الترابط المجتمعي حتى داخل الأسرة، وأصبح الناس يعيشون في جزر منعزلة.

إنسان العصر عامة والأجيال الجديدة خاصة - إلا من رحم ربي - تتعرض لمخاطر التدمير النفسي دون تلقي الوعي الكافي لمواجهة هذا الطوفان، وأصبحت رسائل الهواتف الذكية الموصولة بالشبكة العنكبوتية في أيدي الصغار والمراهقين دون ضرورة ولا كنترول، فأخذتهم إلى المجهول وسرقت روح الأسرة صغارا وكبارا، حتى في المساجد كان رنين الجوالات بنغماتها وأغانيها يقطع خشوع المصلين، واليوم أصبحت الرسائل المصورة تأتيك وأنت في المسجد وتنتهك حرمته بفاحش القول، أو رسائل آخر الليل بفعل جنون وعبث المستهترين، وكل هذا بات معروفا للجميع، وكم من مآس أخلاقية وجرائم وفضائح يندى لها الجبين على جوالات آباء ساقتها الصدفة والاستهتار إلى عيون الصغار.

في الدول المتقدمة التي تصنع وتصدر الحاسبات والهواتف الذكية لا توجد فيها هذه الفوضى المدمرة؛ لأنهم نظموا توفيرها للأبناء حتى سن معين، كما يندر سوء استخدام العاملين للحاسبات في غير العمل ولا أجهزة اتصال شخصية أوقات الدوام، وكذا القنوات الفضائية لا يتركونها للصغار كالفوضى التي نحن عليها. إنها المسؤولية والوعي بالتربية رغم ما يوجد في تلك المجتمعات من مآخذ على مظاهر الحرية.

هنا لا بد وأن نعود إلى دور النخبة والمعنيين، سواء في الإعلام أو المتخصصين في علم النفس وعلم الاجتماع والتربية ونتساءل: أين دورهم وقد تخندق الكثيرون في صفحات وشبكات إلكترونية وجرفتهم معارك ومشاحنات بدلا من الأخذ بيد المجتمع، فالعالم يتقدم ويعرف كيف يستفيد ويطور وينظم مجتمعه، لذا علينا بالوعي الذاتي والمسؤولية التربوية والتعليمية المجتمعية الجادة، واليقظة في مواجهة الحروب الجديدة من كل حدب وصوب من شائعات وتضليل منظم. فلنستعد بناء الوعي ونمسك عليه لمواجهة تحديات وحروب العصر.