-A +A
طارق فدعق
من الصعب أن نتخيل عدد وعظمة النعم التي أكرمنا بها الله عز وجل، ومنها تسخير القدرة على تكييف البيئة حولنا، بلمسة زر نحول حرارة هواء صيف جدة والرياض إلى برودة أجواء الهدى، أو مرتفعات أبها، تخيل الكم الهائل من الهواء الذي نبرده يوميا لننعم ببيئة تضاهي، بل وتتفوق على أجواء أجمل الأماكن حول العالم. وكان الاسم القديم للتكيف هو «الكونديشن» وهو مفرد «كونديشنات». والغالب أنه مشتق من كلمة مكيف Conditioner باللغة الإنجليزية. ولموضوع التبريد خلفية تاريخية جميلة تستحق وقفة تأمل.. سأبدأها بمدينة نيويورك في الولايات المتحدة. لو رجعت إلى تاريخها ستجد أن اسمها كان «نيو أمستردام» لأنها كانت مستوطنة هولندية.. وستجد أن أسماء بعض أحيائها تحمل أسماء هولندية مثل «هارلم» و«برونكس» إلى هذا اليوم، لتذكرنا بذلك التاريخ الهولندي لأكبر مدينة أمريكية. وتحولت ملكية المدينة من هولندا الى إنجلترا عام 1667 في معاهدة «بريدة».. ولا علاقة لها بالقصيم فهي مدينة هولندية.. وتحول اسمها إلى نيويورك أي مدينة «يورك» الإنجليزية الجديدة، وكان ذلك لإكمال المعاهدة التاريخية لمقايضة مدينة «نيو أمستردام» الهولندية في أمريكا بجزيرة «رن» في إندونيسيا والتي كانت تحت سيطرة إنجلترا، والسر هو أن تلك الجزيرة الصغيرة كانت غنية بزراعة البهارات التي كانت أثمن من الذهب في ذلك الزمان، والسبب هو أن في غياب التبريد، كان العالم يستخدم البهارات لحفظ الأطعمة، وفي ذلك أهمية كبرى للعديد من الأسباب ومنها مكافحة تقلبات الطقس، والشحن لمسافات بعيدة، وفي دعم الجيوش، والاستكشافات، وتغيرت أهمية البهارات بدخول تقنيات التبريد، والمصطلح الصحيح هنا هو إعادة التبريد. فالمصطلح الأول يرمز إلى تقليص الحرارة من خلال تمرير الثلج أو السوائل الباردة لنقل الحرارة وهو يرادف وضع ما يراد تبريده في «البالدي» أو «الترموس». وأما إعادة التبريد فترمز إلى دورة يتم من خلالها ضغط غاز بقوة شديدة إلى أن يصبح سائلا.. ثم يتبخر السائل ويعود لحالة الغاز ويمتص حرارة من خلال هذا التحول، وينتج عن ذلك الانخفاض المرغوب في درجة الحرارة.. ثم يعاد ضغطه مرة تلو الأخرى لإعادة التبريد.. وهكذا. وكانت أولى المحاولات التجارية الناجحة في هذا المجال في تبريد اللحوم على متن سفينة شحن اسمها «فريجوريك» أرسلت من البرازيل إلى فرنسا عام 1877 وفتحت تلك التجربة الأبواب لتبريد اللحوم ثم الفواكه والخضروات ثم تبريد الهواء نفسه.. وتغير العالم بأكمله من خلال ذلك، فبالإضافة إلى التغير في فعالية تخزين الأغذية ونقلها لمسافات هائلة، تغيرت أهمية البهارات وأهمية الأراضي التي استعمرتها الدول العظمى للحصول على تلك الخيرات، وتغير أيضا مفهوم الراحة من خلال تقنية «الكونديشنات». وجدير بالذكر هنا أن الغازات المستخدمة كانت مزعجة: بعضها كانت سامة، وبعضها كانت عفنة، وبعضها مكلفة، وبعضها خطرة على البيئة، وتم تطويرها عبر السنين لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم من نعمة رائعة نغير فيها بيئتنا تغييرا كاملا وجذريا بلمسة زر، وسبحان من سخر لنا هذا.

أمنيــــــــــــة


في كل مرة تشغل الكونديشن، أتمنى أن لا ننسى النعمة الكبيرة في تسخير الطاقة الهائلة لتقليص درجة حرارة الهواء وتلطيفه، وأن لا ننسى التاريخ العجيب لتطور هذه التقنية، ولنتذكر أيضا أن الله وضع بعضا من أهم أسرار التبريد الطبيعي عند بعض من أضعف المخلوقات وبالذات في عالم الحشرات. تأمل في عشش النمل والنحل التي تكون مجاري هوائية إبداعية بدون دوشة أو بذل طاقات كبيرة كما يفعل البشر. وهذا موضوع مقال قادم إن شاء الله، وهو من وراء القصد.