لو كان في وطن آخر لربما كان أيقونةً في كل مداخل ومخارج الوطن، باعتباره رمزاً للسلام والتصالح مع الحياة بكل متناقضاتها عندما يكون صوته مُستقبِلاً كل قادم ومودعاً كل مغادر.

لو كان في وطن آخر لكان حاضراً في ماضيه، وحاضره، وغير غائب في مستقبله.

لو كان، ولو كنا، لما كان الذي كان، ولما تحسبنا للذي سوف يصير.

لو انتبهنا بأن كل ما كان يحدث زيف وخداع لما حدثت تلك الفجوة بين الأرواح الجميلة والواقع المزيف.

قبل لحظات جاءني صوته مثل ما هو، وادعاً رخيماً جميلاً، كأنه يرتل بدايات الكلام الذي هبطت به روحه علينا من علٍ، لم يكن يغني، فقط كان يتحدث، فإذا كان الكلام غناءً فما بالكم بالغناء.

تعتق الزمن في روحه ثم فاح في حنجرته. صار الدهر ثملاً من آهاته، والزمن أصبح حكاية لذيذة يشدو بها العشاق في مواويله.

آآه يا محمد.

آآآه ما «أرق الرياض» آه ما أرق الوطن

آه ما أرق البوح الشفيف.

في ذلك الزمن الملعون، توقف «محمد عبده» عن الشدو لأنهم اكتسحوا المشاعر لكي يحولوا القلوب إلى مخابئ للرصاص الذي يعود إليها. في ذلك الزمن جفّت الغيوم، وتصحّر البحر، وأصبح الشعار: «صمت الشفايف». ليس صمتاً في طريق يستقبل مفاجآت الحياة الجميلة، وإنما صمت يتوعدنا بالجحيم، اغتالوا صوته واغتالوا الحياة معه.

سافر المغنّي واغترب.

لأن الطرب صار في وطنه غربة.

صار يشدو للوطن من خارج الوطن.

صار يشدو للحياة القديمة من وحي اللحظات الأليمة.

أطلق عصافير المواويل لعلها تعود ذات يوم إلى الوطن الذي يلهج به.

تعب كثيراً وهو يؤكد أن وطنه «فوق هام السحب». الوطن الذي رفعه فوق هامته لكنه ألغاه ذات زمن.

لكنه عاد.

عاد عندما آمن الوطن أن لا شيء يعلو فوق صوت الحب الصادق للوطن.

عاد عندما آمن الوطن أن لديه ثروة لو أُوتيت لغيره لفعل الفعائل.

عاد «محمد عبده» ليشدو في الوطن، وكأني به يقول: «من بعد غيبة يا ناس حبيبي جاني خلاص».

في آخر الكلام هل يمكن أن أقدم اقتراحاً لمن يهمه الأمر: أقترح أن يكون محمد عبده عضواً في لجنة مناصحة الإرهابيين. بقناعاته سوف يعود البعض، وبعوده وصوته سوف نحقق أمنية: وطن بلا إرهاب.