أعلم مسبقاً أن القارئ الكريم سيتحفظ على العنوان. وربما اتهمني بالجمع بين المتناقضات. فالمتعارف عليه أن الإسلامويين أمميون وليسوا وطنيين، ولا يعترفون بحدود الجغرافيا، ولا يسلمون بمنطق التاريخ الموضوعي، كما أنهم عالميون، وإن كانوا غالباً غير إنسانيين بالمعنى الأخلاقي للإنسانية، ودون أنسنتهم خرط القتاد، وذاك سبب تلونهم ومناورتهم.

منذ عقود وهم يرددون في أدبياتهم (إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن) لكنهم لا يستحضرون هذا الأثر كقيمة عليا لهم وعليهم، بل لتوظيفه في كل ما يحقق أهدافهم التقليدية الرجعية، ويتخذونه قرينة أو دليل تحريض للسلطة ضد كل الأطياف التي تخالف توجههم وأيديولوجيتهم.

بالأمس القريب، بعد أن أجمع العالم بأسره على تجريم الإخوان، وتصنيفهم جماعة إرهابية، وبعدما أصدرت دول عدة قرارات صارمة ضد المنتمين والموالين والمتعاطفين. تراجع مؤشر الخطاب الإسلاموي الحالم ونزل من برج الأوهام إلى أرض الواقع، واستشعر الرموز والأتباع أنه لا مفر من الاصطفاف مع الوطن، أو تحمل تبعات التمرد عليه، فحضر الأثر مجدداً، وانقلب سلاح دليل صلاحية السلطان عليهم بعد أن كان بالأمس لهم.

لستُ في مقام تحريض على أحد. فتلك دنيئة أترفع عنها. إلا أني مع تأصيل وإشاعة التقنين في كافة المجالات، فالله سبحانه شرع من الأحكام والأنظمة ما يحمي به حياة الناس دون أخذ رأي الناس ولا حتى الأنبياء، بل أنزل تشريعات عادلة لا بهوى ذات وإنما بعدل الصفات، وقال «ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن»، وقال جل وعلا «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا»، وقال «ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق»، ولله المثل الأعلى.

لن يستشيط وطني من عودة الحزبيين إلى التغني بالوطن، ودعائهم للقيادات، والتنديد بسياسات الجماعة، فتلك عودة محمودة إن كانت من القلب. ولسنا أيضاً في مقام تشفٍ، أو دعوة لتشطير مجتمعنا وتصنيفه، فالوطنية والمواطنة -اللتان هما مخرجتان من الملة بحسب ثقافة الحزب ودستور الجماعة– تكفلان لكل مواطن حقوقه، وتلزمانه بواجباته وأعلاه حسن الانتماء للوطن الأم.