سبق لي كتابة مقال يتضمن أن بعض الجهات الحكومية تعطل تنفيذ ما يصدر عن المحكمة الإدارية (ديوان المظالم) من قرارات مكتسبة للقطعية واجبة التنفيذ؛ لأنه لا توجد آلية لدى المحكمة الإدارية تحمي ما يصدر عنها من قرارات وتجبر الجهة التي صدر الحكم ضدها بتنفيذ ما صدر، وهي آلية تملكها المحاكم العامة والجزائية التابعة لوزارة العدل ولجان الخلافات العمالية التابعة لوزارة العمل، التي تصبح أحكامها القضائية وقراراتها العمّالية واجبة التنفيذ بمجرد اكتسابها القطعية، ويحصل ذلك عن طريق قضاة التنفيذ بالنسبة للمحاكم وعن طريق إمارات المناطق بالنسبة للقرارات العمّالية.

وما أعادني إلى الموضوع نفسه هو قرار إداري موفق أصدره معالي وزير الحج والعمرة الدكتور محمد صالح بنتن بإلغاء ما ترتب من آثار على قرار سابق صدر في عهد سلفه من إحدى لجان أرباب الطوائف ضد أربعة أعضاء في مجلس إدارة مطوفي حجاج جنوب آسيا، وكان من صدر ضدهم القرار من خيرة أبناء مكة المكرمة العاملين في مجال خدمة ضيوف الرحمن المشهود لهم بالإنجاز والإبداع بصفة عامة، وقد تقدموا في حينه بتظلم إلى المحكمة الإدارية ضد الوزارة وكسبوا حكماً لصالحهم فاستأنفت الوزارة الحكم فصدر لصالحهم أيضاً حكم قطعي واجب التنفيذ يلغي ما صدر ضدهم من إجراءات شملت كف اليد عن العمل والتوقيف عن الترشح لمجلس إدارة المؤسسة لعدد سنين، وكان يفترض أن تبادر الوزارة إلى تنفيذ حكم المحكمة الإدارية المكتسب القطعية، ولكن الوزارة ركبت رأسها ولم تنفذ قرار المحكمة وجمدته في إدراجها الباردة حتى جاء معالي الوزير الدكتور البنتن فاتخذ الخطوة المحترمة الصحيحة المتمثلة في احترام حكم المحكمة الإدارية وإلغاء ما صدر عن الوزارة من إجراءات ضد «جماعة الأربعة» وهي خطوة تدل على حصافة معاليه وعلو همته وحكمته وعقله؛ لأنه لم ير في الامتثال لحكم المحكمة أو في التراجع عن ما اتخذته الوزارة من إجراءات غير عادلة ضد عدد من أبنائها، ما يخدش من كبرياء الوزارة أو يقلل من شأنها ومكانتها، بل إن الذي يؤدي إلى ذلك هو العناد وغمط الحق والإصرار والعناد وهو ما فعلته الوزارة قبل تولي معالي الدكتور البنتن لأمورها في الآونة الأخيرة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يحتاج كل حكم قطعي واجب التنفيذ يصدر من المحكمة الإدارية إلى رحيل وزير ومجيء وزير حتى تنفذ تلك الأحكام، وهل من المناسب أو من المصلحة أن تخضع أحكام المحكمة الإدارية المكتسبة للقطعية للأهواء والرغبات الشخصية فإن شاء المسؤول في الجهة الصادر ضدها الحكم نفذه، وإن شاء ألقاه في درج مكتبه وقال لصاحبه الذي جاءه مطالباً بتنفيذه «بُلّهُ واشرب مرقته».. أليس من العيب أن تعامل الأحكام القضائية الصادرة عن المحكمة الإدارية بهذا القدر من اللامبالاة بل والامتهان؟