-A +A
عزيزة المانع
ما الذي يدفع بشاعر أو كاتب إلى التطرف عندما يريد مدح الكبار حتى ليتجاوز الحد؟ إن التطرف في المديح بما يتجاوز الحق، يخرج القول عن دائرة القبول، وقد يترك أثرا في نفس المتلقي مغايرا لما كان يرجوه المتطرف، وما أراه سوى نوع من الغباء والبلادة.

قبل أيام انشغل الناس بالحديث عما كتبه أحد الكتاب متطرفا في مديح خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، حتى أنه وصفه بصفات اختص بها الله سبحانه نفسه ونبيه إبراهيم عليه السلام، فكان وقع ذلك على خادم الحرمين الشريفين غير مرض له، بل أثار غضبه، ما جعله يأمر بإيقاف الكاتب ومحاسبة الجريدة التي نشرت مقاله، فباء الكاتب المتطرف بالفشل، بعد أن كان يظن أن كلامه سيقربه من خادم الحرمين الشريفين ويجعله ينال حظوة عنده.


ما يغلب على الظن، أن الكاتب لا يدري بعمق إيمان الملك سلمان حفظه الله، وأن إيمانه المتين لن يسمح له أن يقبل أو يرضى أو يقر، قولا يمس جناب التوحيد، ونسأل الله أن يكتب له أجر ذلك.

لعل الكاتب كان يظن أن رد فعل خادم الحرمين الشريفين سيكون كرد فعل الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، الذي بعد أن تمكن من توحيد بلاد المغرب ونجح في احتلال مصر وحكمها، أراد أحد أعلام شعراء المغرب العربي في عصر الدولة الفاطمية في القرن الرابع للهجرة، ابن هانئ الأندلسي، التقرب إليه فمدحه بقصيدة طويلة، قال في مطلعها (ونستغفر الله مما قال):

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

فاحكم فأنت الواحد القهار

فـكـأنـمـا أنت النبـي محـمـد

وكأنما أنصارك الأنصار

فكان رد فعل الخليفة المعز على هذا المديح المتطرف إلى حد الكفر والعياذ بالله، أن قرب الشاعر إليه وجعله من شعراء بلاطه، لكن ابن هانئ لم يعش طويلا ليستمتع بذلك، إذ ما لبث أن وجد مقتولا وهو في ريعان شبابه، فأسف المعز على موته وقال عنه: «كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق، فلم يقدر لنا ذلك».

وعلى عكس الخليفة المعز، كان رد فعل الوزير الأندلسي المنصور بن أبي عامر، حيث تروي كتب التاريخ أن أحد المتزلفين أراد التقرب إليه بمدحه مستشهدا بأبيات ابن هانئ المذكورة، إلا أن ابن أبي عامر سرعان ما أسكته، ثم أمر بجلده والتشهير به وحبسه ثم نفاه خارج الأندلس قائلا: «لا نجتمع أنا وهو في أرض واحدة».

فهكذا يكون رد فعل المؤمنين تجاه التطرف في القول بما يجرح الدين ويمس قدسية الذات الإلهية.

ولعل هذا يكون درسا نافعا للمتزلفين والمنافقين فيبتعدون عن القول الكذب والغلو في المديح. فالكبار يأنفون من قبول القول الكاذب، وهم ليسوا في حاجة إلى من يخبرهم عن قيمتهم، فهم أعلم بحقيقة أنفسهم.