ثمة أطروحة رائجة في أدبيات التنمية، مفادها أن الإنسان هو محور التنمية وهو المستهدف بها وأن رفاهيته هي رأس مال المجتمع، وهي نظرية ألفناها وتعايشنا معها منذ نعومة أظفارنا ولم يكن ثمة غبار عليها إلى أن تجاوز ما يستهلكه الفرد (وفق هذا السياق) أضعاف ما ينتجه، لدرجة أننا أصبحنا نحتاج للدعم في كل جوانب الاستهلاك، وهذا يرجع ببساطة إلى أن دخل الفرد لا يكفي لاستهلاكه، وليت المشكلة توقفت عند هذا الحد، إذا علمنا بأن هذا الدخل رغم محدوديته مقارنة بالاستهلاك ، فهو يزيد أيضا على معدل الإنتاج الحقيقي للفرد، وبأي معيار كان.

وأياً كان السبب في ذلك، وهل يعود أصلا لمضامين هذه النظرية التقليدية وأمثالها والتي صدرت في الأساس من رحم التخطيط المركزي، أو في غيرها، إلاّ أن هذا الفرد وهو المكون (الأساس) للمجتمعات والشعوب يمثل في حقيقته جزءاً من الحل، أو جزءا من الحل والمشكلة في نفس الوقت، أو جزءا من المشكلة فقط، وإذا ما أردت أن تسحب هذه المقولة على منظور اقتصاد المعرفة فعليك أن تدرك أولا أن تصنيف الدول وفق هذا المنطق يعتمد على درجة اقتنائها للمعرفة، فالمجموعة الأولى تضم الدول التي ماتزال حبيسة الاستخدام المكثف لمواردها الطبيعية وعناصرها الأولية، والمجموعة الثانية وتشمل لائحة الدول التي خرجت للتو من دائرة الاقتصاد التقليدي إلى آفاق أرحب من الكفاءة الإنتاجية كمقدمة لاقتصاد المعرفة، والمجموعة الثالثة وهي مجموعة الدول التي يقوم اقتصادها على المعارف والابتكارات والتقنيات المعاصرة.

وإذا مارغبنا في تطوير مواردنا العامة وتحقيق تنويع حقيقي في مصادر الدخل فعلينا أن نبدأ إذن من الفصل وقاعة المحاضرات ومركز التدريب قبل البدء في تطوير موارد الاستثمار الاقتصادي المباشر وأن نقلب المعادلة القائمة لتكون البداية بالإنسان، ليس باعتباره مستهلكاً لهذه الموارد فقط كما بشرت به هذه النظرية، وإنما منتجاً وصانعاً حقيقياً لها، وأن نتأكد بأن هذا الإنسان سيظل جزءا من المشكلة إذا لم نقم بتطويره قبل تطوير هذه الموارد ذاتها التي تستهدفه والتي جاءت بها الرؤية وإلا فلن تكفيه كل هذه الصناديق والاستثمارات، على قاعدة أنه كلما استثمرنا في تطوير طرائق تعليمية وأساليب تأهيلية، كلما زاد إنتاجه وقل استهلاكه، وليس العكس كما هو حاصل حاليا.

وللموضوع بقية.