لم يكن التشدد الديني من سمات المجتمع السعودي عموماً، ومجتمع الإنتاج خصوصاً، أعني مجتمعات العمل في الحرف والمهن والتخصصات المتوارثة، فثقافة مجتمع الإنتاج تعلي شأن تأمين لقمة العيش، ولم تكن العبادات عائقاً ولا عبئاً، فالسماحة صفة مشتركة بين الأطياف الحرفية والصناعية في بيئة الرعي والزراعة.

خلال مسامرات ليالي العيد انفتح الحوار على التشدد، ما صدقيته وما مدى تحققه، وعلى ماذا كان، ومن وقف وراءه، وما نتائجه ومآله؟ بعضنا كان يرى أن المزايدة على تدين الدولة دفعها إلى تبني النسخة التدينية الأعلى في مراتب التشدد كيما تصد المزايدين، وفريق ثانٍ ذهب إلى أن الدولة لم تتبن أي تشدد وإنما تركت للصحويين الحبل على الغارب وكأنما أخذت بمقولة «لم آمر بها ولم تسؤني»، فريق ثالث أكد أن التشدد كان في العبادي والتنطع في الشكلي وكل ذلك على حساب الأخلاقي.

لا ريب أن الوعاظ من القصاص والمذكرين اعتمدوا خطاب الترهيب والتخويف من الله، لا التخويف بالله، وهناك فرق بين التخويف به والتخويف منه، وأوردوا من القصص والأحاديث الموضوعة والمدلّسة والخيالية ما أوقعوا به الشباب في ازدواجية نفسية وأخلاقية، فجاءت ردود أفعال الأتباع شكلية تجلت في تقصير الثوب، وإطالة اللحية، وحفظ بعض القصص والآثار الظنية لترديدها على مسامع انصاعت لأنها تخشى عواقب عدم الإذعان والانصياع.

كما أن الصحوة لاحقاً مهّدت لبروز أسماء دعوية نجحت من خلال الانفتاح الإعلامي في التسويق لنفسها، وغدا بعضهم ينافس سوقياً في دعوته إلى الله الطقاقات من خلال تقاضي مبالغ مالية كبيرة على الأمسيات والندوات والمحاضرات التي هي في النهاية مجرد كلام.

سألني سائل من أصدقاء سهرات العيد عن إمكانية تفكيك التشدد بالترفيه، فاخترتُ ألا أجيبه بطريقة مباشرة، وذهبت إلى ما قرره الشاطبي في «المقاصد» من أن حياة الإنسان تقوم على الضرورات والحاجيات والتحسينات أو الكماليات، ونقلت لهم ما قاله الشاطبي من تراتبية هذه المنظومة، فالبشر لا يستغنون عن الضرورات، ومنها الماء، والهواء، والغذاء، والأمن، ثم ينتقلون للحاجيات ومنها السكن والسيارة، ثم التحسينات والكمالية وهي منظومة ترفيه غالباً. وأرى أنه متى توفر الضروري والحاجي كان للترفيه معنى.