طلب أبو هادي من أم عياله المد، بدأ يكيل الحب من القفاف ويضعه في الأكياس «الله واحد، ماله ثاني، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سمحة»، كان أهل القرى يقلبون السبعة إلى سمحة. سبعة عند القرويين تعني أم الجن. حاز أربعة أمداد امتثالاً لقوله تعالى: (آتوا حقه يوم حصاده)، كانت الزوجة على عجلة من أمرها، لم تتخلَّ عن مناكفة أبي هادي «ها نعمة يا مخلوق أغربت وانحن بعد في الجرين، وبكرة عيد، خلّ الباقي إلى بكرة»، لم يرد عليها كان مستمراً في الكيل "سمحة، سمحة". ويبحلق فيها بعيونه، ويعض على لسانه حقداً عليها كونها تقاطعه بالكلام ويخاف ينسى العدّ.

انطلقت بمفردها وتركته في مصبره، وبجواره حماره، رأى جاره الحمار فقال هني يالك يا حمار المذرية. الرياح تنقل علفك إلى ثمك وأنت رابض، مغمض العينين، أضاف: «ربك جلاب الخير لبعض للبشر وللحمير».

وصلت أم هادي إلى بيتها، فسارعت إلى فتح سحاريتها، أخرجت حبة صابون رائحتها تفنّك، واستقربت إبريق الماء والطشت، وبدأت تروّش الصغار من الأولاد ، تسحبهم واحدا واحدا، البعض صردان من الماء البارد، والبعض يخشى من حرارة الصابون في عينيه. أنجزت ما أمكنها من تنظيف الصغار، وألبستهم فنايل وسراويل جديدة، وأوكلت بقية المهمة لابنتها الكبرى.

انصرفت إلى شطيرة الطحين، سمت بالله، وغرفت بيديها خمس غرفات ووضعتها في كروانة وبدأت تعجن خبزة فطور العيد، وعينها على بقية الصغار المتقاطرين على طشت النظافة، وبعد كل دقيقة توجه النصائح. نظفي محاشمه، لفيه في المنشفة، غطي رأسه عن الصمطة.

جاء ابنها الأكبر متهالكاً، وأسند ظهره إلى الزافر وبدأ يعرك يمين ويسار، سألته أمه: «وشبك تتحكك يا ولد، ما يتحكك إلا الأجرب»، أجابها «الحمط والسفا أكلني». أمرته أن يأخذ الإبريق والصابون ويغتسل، ولكن النوم غلبه فرقد مكانه.

في الصباح الباكر كانت خبزة أم هادي ومعرقها حديث القرية، فيما اصطف الأبناء خلف أبيهم في طريقهم إلى مصلى العيد، ورائحة مساريب القرية تتنفس ريحاناً وبعيثران، والغيوم تداعب رؤوس الجبال مداعبة محسن لرؤوس الأيتام. علمي وسلامتكم.