عندما يعلن 82% من المسؤولين و62% من الموظفين في الأجهزة الحكومية (في دراسة مسحية معتمدة) عن عدم رضاهم عن أداء الخدمات العامة في هذه الأجهزة الحكومية التي يعملون بها، فما عسانا أن نقول عن المراجع البسيط ومتلقي الخدمة الذي ليس له قوة ولا ناصر أمام عتاة البيوقراطية الذين يحكمون سيطرتهم على مفاصل هذه الأجهزة الخدمية!

كل الدراسات التي بحثت في هذا الجانب، وهي قليلة أحيانا وانتقائية أحيانا أخرى، تعكس حجم القصور التي يعتري حال بعض هذه الأجهزة من ترد في الإنتاجية، وسوء في الخدمة، وهي صورة معروفة، تعايش معها الجميع رغم أنها قدر غير محتوم، لكن الغائب أو المغيب في تفاصيل وتجاويف هذه الصورة النمطية المخزنة في الذهنية الاجتماعية، أن لوائح هذه الأجهزة وأنظمتها تتماهى أساسا مع تردي مخرجاتها وتعطي صورة عن مدى كفاءتها، فالبعرة تدل على البعير كما تقول العرب، وخلافا لذلك، تسجل المسؤولية وفقا لهذه الصورة المتداولة على (مجهول) فردي لاتخرجه في نهاية المطاف عن دائرة البيوقراطية المتعارف عليها، رغم أن الصورة غير ذلك تماما، وهذا تشخيص مخاتل وغير حقيقي، وهذا ما سيكون عليه موضوع مقالي القادم عن طبيعة هذه اللوائح والأنظمة التي وضعتنا في هذا المأزق، وفوتت علينا فرصا في أساليب إدارة التنمية كان من الممكن أن تنقلنا إلى آفاق تتجاوز ما نحن عليه اليوم.. وبكثير.

لكن عندما تغيب وسائل القياس ويتلاشى مبدأ المساءلة، وتتقادم الأنظمة واللوائح التي تشكل روح ودساتير هذه المؤسسات، فمن الطبيعي أن يتراجع الأداء وتتردى الخدمة، وإلا نكون بذلك قد خالفنا سنن الكون وخلق الخالق في كل زمان ومكان.