أحد أبرز الصور التي يمكن أن يُضطَهد فيها الإنسان؛ أن يدمر إرثه ويطمس تاريخه، فالإرهاب يعد إرهابا في تدميره للإنسان أو المكان، كما حدث في الموصل حين تم تدمير مسجد النوري ومنارة الحدباء التي يعود عمر بنائها إلى قرابة 850 عاما، حين لا يتوانى «داعش» عن تدمير كل ما يرتبط بالإرث والثقافة ليحقق أهدافا أخرى ليست أهدافه، بعد أن وضع أداة ليس لها أي دور في البناء، ولو أن «داعش» كان يريد البقاء والبناء أو أن يعمر نفسه كدولة -حتى ولو كان بالباطل- لاستثمر في كل ما يمكن استثماره في المساحات التي سيطر عليها حين حل عبثا ثم أصبح فيها سلطانا متحكما، لكن دوره البارز هو التخريب، وحادثة الموصل ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.

أتت تلك المحاولات في إعادة التشكيل الثقافي والهندسة الاجتماعية وإعادة هيكلة الاصطفافات والانتماءات الدينية والمذهبية في المنطقة العربية على أسس تعطي في نهاية المطاف ناتجا تفقد فيه الشعوب إرثها الحضاري وهوياتها وانتماءاتها، ثم يأتي دور إيجاد عامل التبعية إزاء ظرف التخلف الثقافي والحضاري، في ظل حالة عجز المنطقة عن القدرة في إدارة نفسها، إضافة إلى تشويه الهوية الإسلامية التي وصلت إلى حالة من البحث عن الخيارات والبدائل الأكثر مواءمة.

تدمير الثقافة في أي نوع من المجتمعات يتطلب إحلالا لهويات وانتماءات جديدة، وستجد الشعوب العربية بأنها مضطرة لاحقا للخضوع إليها وإعادة التشكل الاجتماعي والأخلاقي وفق ما تقتضيه تلك الهويات من القيم والمبادئ، حيث إن شعور الانتماء يشكل ضرورة إنسانية وهذا ما سيتم استغلاله.

في الحين الذي تعتبر فيه قضية حماية التراث واجبا إنسانيا ومسألة أمنية كما تقر بذلك اليونسكو، إلا أن الدمار والتطهير الثقافي يعتبر جريمة حرب يجب أن يدينها العالم في ظل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الموقعة، لأن الأمر يشكل تكلفة باهظة الثمن لن يدفع أحد تكلفتها سوى العرب عاجلا أم آجلا.