الإدارة وليدة لمجموع القيم والأعراف والثقافات والديانات والمعتقدات في أي مجتمع بالعالم، وغالباً ما يشكل مثل هذا الخليط المتجانس ملامح ومحددات الإدارة في هذا البلد أو ذاك.

ففي اليابان مثلاً تبلور المنهج الياباني في الإدارة وفق ما تدحرج على الوظيفة العامة من قيم وأعراف وما أحاط بها من ثقافات ومعتقدات، وبالتالي أصبحت تقوم على الولاء الفطري والانضباط الأخلاقي، ولأن الإنسان أصبح يشكل رأس الحربة في الثقافة الإدارية، إذ ليس لدى اليابانيين اليوم ما هو أهم وأثمن من الإنسان في قيمته الاجتماعية والاقتصادية ليس بمقياس التنظير الاجتماعي المنفصم عن سياقه العملي، وإنما من خلال القيمة والفعل والممارسة.

المواطن السعودي هو الأكثر تديناً، والأكثر حفاظاً على القيم والموروثات العامة، والأكثر عودة للماضي، لكن هذا المواطن ما يزال يصنف بأنه الأقل اهتماماً بالوظيفة العامة والأقل أداء لواجباتها، بل والأكثر غياباً والأدنى إنتاجاً، فمن أين تكونت هذه الفجوة ولماذا حصل هذا التضارب؟ هل الإشكالية في مجموع الأعراف والقيم والتقاليد والثقافات التي ورثها ولم يرث معها انعكاساتها على الوظيفة العامة، أم أن الإدارة كانت دائما خارج سياق الخطاب العام، بشتى أشكاله الدينية والاجتماعية والماضوية، والذي اكتفى بالوعظ المجرد والتركيز على نقاط التماس الملتهبة على مدى نصف قرن، مع إغفال البناء المتوازن لمنظومة الحياة العامة، ومن دون أن يطغى جانب على آخر، وبمثل هذه الصورة المريعة !

ليس في اليابان فقط، وإنما في كل الدول التي حققت الفارق، لا يمكن فصل العمق الروحي والفلسفي الذي يعتمد في خلفيته على الـ «نيرفانا» عن العمل والإنتاج، والتي صاحبت كل سلوكياتهم العامة بما في ذلك أخلاقيات المهنة، باعتبارها قيماً مقدسة تقع في صدارة منظومة الأخلاق العامة، فهل يمكن لنا إعادة التوازن لمنظومتنا المختلة، وحقن نظامنا الوظيفي ولو بالحد الأدنى من متطلبات هذه القيم والأخلاقيات استشعارا لمنطوق الآية الكريمة «خير من استأجرت القوي الأمين».

وكل عام وأنتم بخير.