لا خلاف أن المرء لا يختار انتماءه الأسري، ولا اختلاف على أن روابطه العائلية لا تعني حكماً قناعاته بتاريخها وتصرفاتها، وبالمقابل ليس منطقيا ولا مقبولا الحكم بالتعميم على أبنائها دون تمييز ولا وعي، ومن هنا يفزع الإنسان من كم الحقد والكراهية الذي يواجهه المنتمون للأسر الهاشمية في اليمن، لذا فمن الواجب على كل عاقل أن يضع خطا فاصلا واضحا بين الفعل السياسي والعلاقة المرتبطة بالوراثة.

حدث أول تغيير قسري باليمن في ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ موجها ضد أسرة حميد الدين على وجه الخصوص وليس هنا المجال للحديث عن أسباب تلك الحركة، لكن من المهم التأكيد على أن كثيرا من الأسر الهاشمية رحبت بالحدث وشارك كثير من أفرادها في الدفاع عن النظام الجمهوري الوليد من منطلق قناعة بضرورة التغيير وتجاوز ما يزيد على قرون من احتكار الحكم في طبقة اجتماعية واحدة كانت ترى أنها الأحق والأجدر بتولي القيادة والريادة، لكن نقطة ضعفها الأساسية أنها كانت تستند إلى الانتماء التاريخي الجيني العالق بسلالة محددة رأت أنها صاحبة الفضل ومستوجبة الطاعة.

أحدث التغيير في ١٩٦٢ انتقالا في أسلوب التفكير عند الطبقة التي تولت الحكم بـأن أي إنسان يمني طبيعي يمكنه تولي زمام القيادة، وهكذا انتقلت الرئاسة من المشير عبدالله السلال أول رئيس من خارج الطبقة الهاشمية (١٩٦٢ - ١٩٦٧) إلى القاضي عبدالرحمن الأرياني (١٩٦٧-١٩٧٤) ثم الشهيد إبراهيم الحمدي (١٩٧٤ - ١٩٧٧) ثم الرئيس الراحل أحمد الغشمي (١٩٧٧ - ١٩٧٨) وبعده الرئيس السابق علـي عبدالله صالح (١٩٧٨- ٢٠١٢) وأخيرا الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي (٢٠١٢ إلى يومنا هذا)، ولم تكن المسألة معقدة في اليمن الجنوبي لأن طبيعة المجتمع كانت مختلفة، ولم تكن الفوارق الطبقية واضحة المعالم ولا شديدة التأثير.

شارك العديد من أبناء العائلات الهاشمية في مفاصل الحكم، ولم يكن هناك شعور بالتميز عند أغلبهم وحدث تداخل عائلي ما كان واردا من قبل، وأوشك الناس على نسيان وجود مجتمع طبقي في اليمن، وكان الانتماء إلى أصول هاشمية مجرد صفة لا تستدعي الكثير من التوقف عندها، لكن الأمر اختلف واستعاد التاريخ حركته الماضية بعد اقتحام الحوثيين العاصمة صنعاء في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ ثم استكمال فصول الانقلاب في ٢٠ يناير ٢٠١٥ باعتقال رئيس الدولة، وفي هذين التاريخين ارتكب الحوثيون جرما في حق البلاد وفي حق أنفسهم وفي حق الهاشميين اليمنيين.

كان التصور السطحي عند الحوثيين أنهم تمكنوا من استعادة سلطة توهموا أنها انتزعت منهم ظلما وعدوانا وقاموا بحركة تعبئة ضد مسار التطور التاريخي الطبيعي، وحاولوا قسر المجتمع على قبول مفهومهم للحكم وأحقيتهم فيه، وأنهم جاءوا لإنقاذ اليمنيين واستعادة إدارة الدولة بإشرافهم، وحصروا كل مواقع المسؤولية في المنتمين لحركتهم مناطقيا وسلالة، وكان هذا توجها أصاب خطابهم السياسي في مقتل، وأظهر عقم تفكيرهم وانسداد أفقهم الوطني والاجتماعي فأصبحوا في مواجهة مع بقية الوطن، ولم يتمكنوا من إقناع المواطنين بصواب ما يدعون الدفاع عنه، ومن المحزن أن كثيرا من الذين دافعوا عن مظلوميتهم - وأنا واحد منهم - تجاه ما تعرضوا له من إهمال واستبعاد وإنكار لحقوقهم المدنية، فجعوا بممارساتهم القاسية والفظة تجاه الذين يختلفون معهم، ومارسوا قمعا غير مسبوق ضد الآخر المختلف؛ بدءا من تفجير المنازل إلى الاعتقالات غير المبررة وغير القانونية والتعذيب والقهر لمعارضيهم، وأتبعوا ذلك بمنسوب غير مسبوق من الفساد ينفي عنهم كل شعارات الفضيلة والترفع، وواصلوا إنكار أخطائهم وخطاياهم التي دفعت البلاد نحو تمزق اجتماعي ومذهبي ستحتاج إلى أجيال عديدة للخروج من آثاره.

على الحوثيين إعادة قراءة التاريخ بتفاصيله والتوقف قليلا أمام ما يجري، وأن يدرك قادة حركتهم أنهم ظلموا انفسهم وأخطأوا في حق الوطن، وأنهم إذا استمروا في نهجهم دون مراجعة إيجابية سيدفعون ثمنا باهظا جراء الأحقاد التي ولدتها تصرفاتهم.