.. في العشر الأولى من شهر رمضان وهي الأيام التي يتنزل فيها العفو من رب العباد على المؤمنين انتقل السيد حبيب أحمد محمود إلى رحمة الله مخلفاً ذكرى حميدة، وأعمالاً مجيدة تشهد له بصدق حبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وعمق ولائه لحكومته ورجالها الأفذاذ.

في اليوم الذي احتفلت المدينة المنورة وأهلها بمستهل الثمانينات هجرية بمقدم جلالة الملك فيصل للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضوان الله عليهما من بعد الصلاة في المسجد النبوي الشريف، ومن ثم الالتقاء بأهل المدينة المنورة الذين أقاموا لجلالته حفلاً كبيراً تحدث من خلاله عن اهتمامه رحمه الله بكل ما فيه مصلحة للمدينة المنورة حيث مثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصالح أهلها من ذلك إنذار أصحاب شركات الكهرباء إن لم يخفضوا السعر وينشروا النور بكل مدينة وقرية فستحول الدولة شركات الكهرباء إلى مؤسسات عامة وقد كان. في ذلك اليوم تعرفت على السيد حبيب خلال زيارتي له بمنزله بعد انتهاء الحفل برفقة وزير الحج آنذاك معالي الشيخ حسين عرب -رحمه الله- والذي قال لي: «لا بد أنك سترسل تفاصيل الحفل للجريدة -وكنت يومها أعمل سكرتيراً لتحرير جريدة البلاد! فقلت له: نعم هذا إذا توفرت الإمكانية عبر الهاتف. فقال لي معاليه: تعال معي للسيد حبيب فسيمكنك من الحصول على خط ترسل من خلاله الرسالة! وهكذا كان فما إن رحب السيد حبيب بنا قال له معالي الأستاذ حسين: يا سيد الأخ عبدالله يريد أن يكلم الجريدة لإملائهم خبر الحفل.. وقبل أن يتحرك السيد حبيب رحمه الله خطوة قال لسكرتيره: اطلب جدة حالاً للأخ عبدالله وإن هي إلا ثوانٍ والأخ عبدالغني قستي مدير تحرير جريدة البلاد على الخط.

سردت هذا الموقف تدليلاً على المكانة التي كانت للسيد حبيب وما ذلك إلا لثقة جلالة الملك فيصل والملك خالد والملك فهد -أسكنهم الله جنات النعيم- لما وجدوا فيه من أمانة وإخلاص وصدق ولاء، فمكنوه -رحمه الله- من خدمة المدينة وأهلها بما هو صالح.

شغل السيد حبيب منصب عضو مجلس الأوقاف الأعلى وتولى مديرية الأوقاف بالمدينة المنورة كما ترأس الغرفة التجارية لثلاثين عاماً.

وبتكليف من الملك فيصل رحمه الله قام السيد حبيب بالإشراف على استبدال ستائر الحجرة النبوية وإجراء بعض الإصلاحات في داخلها، إلى جانب الإشراف على الصيانة العامة للمسجد النبوي الشريف.

وله رحلة تاريخية قام بها بتوجيه من الملك فيصل حيث اصطفاه جلالته وكان حينها بالمصيف (الطائف) لمرافقة المعلم محمد بن لادن لتحديد المطلوب عمله للسير قدماً في توسعة المسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف، وترميم قبة الصخرة بالقدس. فصلى مع المعلم بن لادن رحمهما الله العشاء بالطائف –منطلق الرحلة– والفجر بمكة المكرمة، والظهر والعصر جمعاً بالمدينة المنورة، والمغرب بالقدس.

ويذكر أن علاقة السيد حبيب بالأمير عبدالمحسن بن عبدالعزيز أمير المدينة يومذاك، علاقة حميمة يجسدها الالتقاء شبه اليومي ومرافقاً لسموه في رحلات البر للاستجمام يرافقهما الأستاذ أسعد شيره والشيخ إبراهيم غلام رحمه الله.

ومعلوم أن للسيد حبيب مكتبة قل نظيرها على مستوى المملكة وهي مفتوحة لطلاب العلم ومدرسة العلوم الشرعية التي تأسست عام 1340هـ وتحول اسمها الآن إلى «مدارس العلوم الشرعية» ويديرها الدكتور أحمد حبيب محمود أحمد.

سطور أردت بها أن أقول للذين يعملون الصالحات إننا لا ننساهم ما دام لهم ذكر حسن.

السطر الأخير:

قال الله تعالى بسورة المزمل: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ}