تبني الدول نفسها من داخلها، وفق معطياتها الزمانية والمكانية، وكذلك المجتمعات، والبيوت، واستمرارية البناء ترتبط بعامل الإنتاج، وترتيب المقامات بين من يُعيل ومن يُعال، ما يترتب عليه الانتماء للحضن الدافئ، والولاء للأبوية القائمة على رعاية ومصالح البيت. الأبوية في نمط حياتنا الاجتماعية بما فيها الدولة تستبعد مفهومي الهيمنة والتبعية.

البيتُ مطلب أولي لأي إنسان، وربما كان الشغل الشاغل للمواطنين في كل بلدان العالم توفير منزل تنطلق منه الحياة، وتجتمع تحته أفئدة مؤمنة بقيمته، وجاهدة في سبيل حمايته، ونظافته، والتصدي لكل من يحاول النيل منه، أو التلويث له، أو التطاول عليه.

نحن في المملكة خرجنا إلى الحياة، ومنزلنا قائم، متمثلاً في وطن بنى أركانه الملك عبدالعزيز، وأتم بنيانه أبناؤه، فجملوه حد افتتان الآخرين به، وراود كثيرين حلم السكنى فيه، أو حوله.

بعضنا حاقد على بعضنا وعلى بيتنا السعودي بحكم ضغائن التاريخ وضآلة الجغرافيا، وقلة الوعي، وتهجين بذرة الانتماء لدرجة الازدواج ممن عرفنا ولم نألف من غرباء الوجه واليد واللسان. وتؤكد الدراسات أن الكائن الذي لا ينتمي لبيته مريض، أو شوارعي بالمعنى الشعبي، يعشق بفضول وتطفل أن يقيم أوده من هنا وهناك مثل (متقمقم العلفة)، ما يعني أنه غير سوي، وعرضة للأمراض النفسية والجسدية والعقلية، كون الآخرين يقدمون له طعاماً بائتاً، أو ملوثاً، أو مسموماً يظنه بسذاجته ألذ من طبخ أمه أو زوجه أو أم عياله.

الدراسة تؤكد أن حالات طلاق متزايدة بين عشاق الأكل في المطاعم، ورد نفسانيون ذلك إلى أن ممارسة حياتك داخل بيتك تعزز الانتماء للمكان وللإنسان متمثلاً في الأسرة، ونحن في منازلنا ضمن منظومة يؤدي كل منا واجبه وينال حقوقه، ما يعني أن البيت مظلة أمن واستقرار وطمأنينة ووفاء لكل من أعطى بكل أريحية دون منة، ولا تأنف، أو تأفف.

ربما هناك عقد نفسية حالت بين بعضنا وبين حسن انتمائهم لبيتهم السعودي الأول، فأدمنوا تتبع الموائد الرخيصة، ومنهم على وجه الخصوص الحزبيون والحركيون الذين كشفت الأيام أن انتماءهم للوطن شكلي، بل يصفونه في أدبياتهم بالوثن، ولذا هم يقدسون بيوت الجيران طمعاً في خيمة الخلافة. سؤالي «أيهما خير وأبقى بيتنا أم بيوت الناس»؟.