لم تكن مفاجئة الإجراءات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين تجاه دولة قطر، لكن المفاجأة كانت في تشددها وكان من المعروف أن هذه الدول وجهت اتهامات صريحة للدوحة عبر قنوات مختلفة، بخصوص سياساتها التي عرضت أمن هذه الدول للاضطراب ما يترتب عليه مخاطر لا يحتملها الإقليم ولا يجوز أن يكون مصدرها بلدا شقيقا يشتركون معه في الرقعة الجغرافية والتاريخ المشترك وأواصر القربي وصلات الرحم.

إن القلق والارتباك السياسي الذي تسببت فيه دولة قطر بارتباطاتها السياسية مع جماعات متطرفة ورعايتها لها، وكذلك حشد وسائل إعلامية في الداخل والخارج عمدت إلى التفريق والإثارة وتعمد تعميق الخلافات بين الأقطار العربية، كل هذه العوامل أثارت غبارا كثيفا من الشكوك حول الغاية منها والدور المراد أن تلعبه ومدى تناقض هذه النشاطات مع حقوق الجيرة والمصالح المشتركة في المنطقة.

ليس سرا أن أكثر المنظمات حظوة التي عمدت دولة قطر لاحتوائها ومدها بكل وسائل العون المادي والمعنوي كانت «جماعة الإخوان المسلمين» التي تصدرت المشهد السياسي، خصوصا في فترة ما سمي بالربيع العربي وتمكنت «الجماعة» من اختطافه من أيدي الشباب الذين قادوه ودفعوا ثمن ولادته، وكان ذلك تحولا مثيرا في توجه «الجماعة» التي بدأت نشاطاتها بالعمل الدعوي والخدمات الاجتماعية، لكنها قفزت إلى حلبة النشاط السياسي الذي يتناقض كلية مع فكرة «الدعوة» و«إصلاح المجتمع» مستخدمة الشعارات الدينية وسيلة لجذب المجتمعات الجاهلة إلى صفها وحولتهم إلى «ناخبين» فابتعدت عن أهدافها المعلنة وانزلقت إلى المعترك الانتخابي وتمكنت من حصد الأصوات المطلوبة في بعض الأقطار للقفز إلى السلطة تحت شعارات براقة فكان ذلك إعلانا صريحا منها بخلط الشأن الديني بالعمل السياسي، فوجدنا أن النموذج الذي مارسته في مصر أثار قلقا شديدا، إذ بدأت بإقصاء معارضيها عن الحكم بعد أن وعدت بعدم خوض معركة انتخابات الرئاسة، ولكن إغراء السلطة كان أشد جاذبية من الالتزام بالعهود التي قطعتها علـى نفسها ولعدم خبرتها في إدارة شؤون الحكم أربكت المجتمع والاقتصاد وانتهت تجربتها القصيرة إلى فشل حتمي.

أفصحت الأزمة الحالية عن أمرين:

الأول هو لجوء قطر إلى مفهوم «السيادة» وهو حق أصيل لكل دولة، لكنه مشروط بعدم الاختباء خلفه وتعريض الدول الأخرى – خصوصا دول الجوار - إلى المخاطر التي تثير قلقهم ومخاوفهم رغم إبلاغ قطر بها، وهو مأزق أسقطت معه المنطقة في دوامة ما كانت بحاجة لها في هذه الفترة بالذات وعليها وحدها يقع عبء إخراجها منه ومواجهة العواقب التي لابد أن تؤثر على علاقاتها المستقبلية مع الجوار وستلقي بظلال من المخاوف على نشاطاتها الاقتصادية ومشاريع التنمية الجارية والقادمة.

الثاني هو الانشطار النفسي الذي تمر به «جماعة الإخوان المسلمين» في اليمن، لأن ازدواجية خطابها لم تعد قادرة على الإقناع وتجاوز الأزمات والعثرات التي تلاحقها ولعل عودتها إلى العمل الدعوي اختياريا أفضل المخارج للحيرة التي تعاني منها قياداتها، لأن استمرار نشاطها السياسي تحت غطاء احتكار الدين سيبقى معضلتهم ومعضلة كافة الجماعات التي تتلحف الدين لتمرير أهدافها السياسية.

«مأزق» قطر يمكنها أن تتجاوزه بإدراك أن التوقف للمراجعة ليس عيبا، بل دليل حرص على الوطن والمواطنين وقدرة على الرؤية الواضحة ومعرفة مواقع الخطأ التي سيدفع التمسك بها القطريون والمنطقة ثمنه.

«حيرة» الإخوان تستدعي منهم الاعتراف بأنهم ليسوا الأحرص علـى الدين وأن يعلموا أن أوطانهم تعاني من الصراع حول أحقية تمثيل الإسلام وأن يعترفوا أن من تحت عباءاتهم خرجت كل الجماعات الإرهابية التي تعبث في كل أنحاء العالم.

* كاتب يمني وسفير سابق

mustapha.noman@gmail.com