التحق الأمريكي «والاس جونسون» بالعمل في منجرة كبيرة، وعند بلوغه سن الأربعين تلقى من مديره ورقة صغيرة يبلغه فيها بعدم حاجته للعمل، ولأنه كان في ريعان شبابه فقد خرج الشاب لا يلوي على شيء، وكله حسرة على الأيام التي قضاها، والجهد الضائع الذي بذله في عمله على مدى سنوات.

وعندما وصل إلى البيت أبلغ زوجته بمصابه الكبير، فسألته عما سوف يفعل؟ أطرق قليلاً ثم قال سوف أرهن البيت الذي نسكن فيه وسوف أعمل في مهنة البناء!!

كان مشروعه الأول بناء منزلين صغيرين بذل فيهما كل وقته وجهده وطاقته، وتوالت بعد ذلك بقية مشاريع البناء إلى أن أصبح متخصصاً في بناء المنازل الصغيرة.

وخلال خمس سنوات من البذل والعطاء، خلع قبعة العامل الصغير، ولبس قبعة رجل الأعمال الكبير، ليتحول من «جونسون» البناء، إلى «جونسون» الذي يقيم سلسلة فنادق «هوليدي إن».

يقول في مذكراته: كانت أكبر أمنياتي في ذلك الوقت أن أعثر على ذلك الرجل الذي طردني من المنجرة، لأقدم له أسمى آيات الشكر والتبجيل.

ثمة مواطنون سعوديون بدأوا حياتهم بنفس الطريقة تقريباً وتغير مجرى حياتهم بشكل مماثل بسبب موقف «قدري»، ويعدون اليوم من المشاهير بعد أن انتقلت حياتهم من شأن إلى آخر سواء في مجال تقلد المناصب الكبيرة أو الحصول على الثروة والمال.

الإشكالية هنا أن مثل هذه القصص المؤكدة التي يصل بعضها حد الأساطير، بقيت حبيسة المجالس الخاصة والصوالين الاجتماعية رغم ما لها من مغزى سياسي أو فكري أو اجتماعي يستحق النشر والتوثيق، لأنها تجارب حقيقية عالية القيمة تمثل، حلقات مفقودة في تاريخنا المعاصر، والسبب طبعا غياب ثقافة «كتابة المذكرات» والحساسية المفرطة التي لا داعي لها تجاه بعض الأحداث، رغم ما يوجب أن توضع تحت تصرف المجتمع وشهادة التاريخ.

قليلة هي الشخصيات التي كتبت مذكراتها أو دونت تجاربها، ولعل أبرزها الدكتور غازي القصيبي من الطبقة السياسية والإدارية، والشيخ سليمان الراجحي من طبقة رجال المال والأعمال.

وعليك أن تتخيل لو انتقلت مثل هذه التجارب التي صاحبت هذه التحولات الاجتماعية العميقة سواء في مجال السياسة أو الإدارة، أو المال والأعمال من مرحلة الرواية الشفوية إلى مرحلة التدوين، كيف سيكون أثرها على الجيل الحاضر ودورها في تفسير بعض الأحداث الهامة التي صاحبت تلك المرحلة والتي لم تؤرخ بعد، وقد تموت مع موت أصحابها!