تقول الحكاية إن أحد الظرفاء جاء إلى أحد الحركيين النفعيين يستفتيه في جدار بيته الذي بال عليه كلب. فقال الحركي: عليك أن تهدمه سبعاً وتبنيه سبعاً، وفي كل مرة تجدد حجارة وطين وماء البناء، ثم ترشه في الثامنة بماء طهور. فقال الظريف: يا شيخ الجدار الذي بال عليه الكلب يفصل بين بيتي وبيتك. فأمره أن يريق عليه قليلاً من ماء وذاك كافٍ لتطهيره.

لم أورد هذه القصة للتندر أو إضحاك القراء بل لكشف حس المناورة عند الحركيين، وقدرتهم على قلب الحقائق، وتحميل المجتمع من العنت والمشقة ما لا تحتمله صم الجبال، بينما إن تكن لهم منفعة أو مصلحة أو متعة يأتوا إليها مذعنين.

انكشف الفقه الحركي في كثير من البلدان كونه خرج لمواجهة شرعية الدولة وحاول الانقضاض عليها. أما عندنا فلا يزالون يناورون ليقينهم أن الإعلان عن أنفسهم بشكل سافر سيطيح بكثير من امتيازاتهم التي منحتهم حكومتنا من المناصب والمراتب والرواتب. ونحن نوقن أنهم تغلغلوا في مفاصل المؤسسات من الجامعات إلى الجوامع مروراً بالأندية الأدبية وغيرها من المجالس والمدارس. وليس عسيراً أن نعرفهم في لحن القول.

الحركي يعلي كثيراً من شأن حزبه، لأجله يصلي ويصوم ويحج ويعتمر، وما الوطن في نظره إلا محطة مؤقتة، أو قنطرة يعبر بها إلى خلافة الأمة، مستندين إلى أدبيات الحركيين والحزبيين القائمة على منامات وخرافات تعج بها مأثورات ما عرف بكتب الفتن والملاحم التي تنصل مما فيها معظم نقاد الحديث وشراحه كونها تخديرية وتصيب القلوب والعقول بالخدر والكسل والتعويل على المعجزات التي انتهى عصرها مع الأنبياء عليهم السلام.

تذكرتُ أيضاً قصة رجل فقير يملك ثوراً نطاحاً، فجاء إلى الحركي مستغيثاً ومردداً الحقني يا شيخ. فسأله: ما بك؟ فأجاب: بقرتك نطحت ثوري فأودت بحياته، وأنا لا غنى لي عنه، فاعطني ما أشتري به ثوراً بديلاً. فقال: اغرب عن وجهي. أما علمت أن العجماء جبار، وأن إتلاف البهائم لا ضمان له. قال الفقير: ولكن ثوري هو الذي نطح بقرتك فأرداها. فأُسقطَ في يده.