«تستطيع إجبار الجواد على الذهاب إلى النهر بالقوة لكنك لا تستطيع إجباره على الشرب»، هذه الحالة تصور مدى قدرتك على رفض الأفكار التي قد يحاول غيرك أن يفرضها عليك ثم يتوقع منك تصديقها بالقوة، وهي أيضا تصف مدى الجرأة في استغباء المتلقي، الأمر الذي ينطبق على الاستجابة لكثير من الخطابات الخاطئة والمتناقضة التي تصدق على كونها حقيقة يصعب إنكارها.

هذه الحالة على اختلاف أوجهها تفرز الكثير من الأفكار المتطرفة وتسهم في انتشارها باعتبارها نموذجا من الممارسات العامة والدوغمائية المتمثلة في رفض الآخر ومحاولة التفوق عليه أو إلغائه أحيانا، وحين نأتي إلى سبيل فرض الأفكار بالقوة، لا سيما تلك التي تستحوذ على العقل وتعطل عمله وتستخدم العاطفة كأداة من أجل تمرير أي فكرة مهما كان نوعها، فهي طريقة تجبر الفرد على أن يحتاج دائما إلى عدو يعتبر وجوده ضرورة وإن كان وهميا، وهذا العدو هو الجانب المحتوم الذي يضمن استمراره، ليكون مضطرا وبشكل دائم إلى إظهار الجزء النقي والصالح منه، هذا يجعلنا ندرك أن العقل الجمعي في غالب مجتمعاتنا العربية بني على تأسيس الفكرة الواحدة والرأي الواحد، ويعامل كالجمهور الذي تمرر إليه الأفكار بالفرض، دون أن يستطيع الفرد أن يناقش رفضها حتى في داخل نفسه، ويختار أن يعيش ضمن فئة المغلوب على أمرهم كحل أفضل من أن يخالفهم، وهو الخيار الذي يبقي عليه الشعور بالأمان، فالفرد في هذه الحالة يتعامل عقليا وفق ثنائية تقسم الأشياء إلى أضداد، بينما ينتمي لأحدها وبالتالي يعادي الآخر.

الواقع أن كل ما يصدقه المجتمع ويتعارف عليه ويدخله ضمن نطاق التقليد والعادة والمسلّمات لا يجعله أمرا حقيقيا، لكن أغلب الناس يتماشون مع ما يصدقونه حتى ولو لم يعقلوه وبطريقة طوعية وتحت تأثير الانقياد، ليس لشيء سوى أنهم يرون تصديقه واجبا، وهذا ما يعيق قدرة الفرد على الإبداع والابتكار، ويقف دون تطور المجتمعات بسبب تحكم هذه الحالة في مسارات الحياة الاجتماعية.