رغم أن فترة التقشف وربط الأحزمة التي عاشها موظفو القطاع الحكومي قد انفرجت والحمد لله بعودة البدلات التي كانت بالنسبة لهم شبه حق مكتسب، فرضته عدة ظروف نظامية كانت تحول دون زيادات متلاحقة للرواتب، رغم ذلك فإن حالة التقشف، ومن وجهة نظر خاصة، لا يجب أن تزول كثقافة وحالة عامة لجميع الموظفين بل وكافة المستهلكين.. بمعنى أن علينا التعايش مع حالات التقلبات الاقتصادية، وأن لا ننجرف خلف هياج ونزعات الصرف غير المبرر والتي تصيب الإنسان عندما يكون رصيده منتفخا ولو لفترة قصيرة، وأن نطبق المثل الشعبي «القرش الأبيض لليوم الأسود» مستفيدين من الحالة العامة التي مرت بنا، ومستعدين لقادم الأيام حيث ننتظر زيادات وتقلبات في تعرفة العديد من الخدمات، بالإضافة إلى الزيادات التي قد تطرأ على أسعار الكثير من السلع، لأن قانون التجارة في بلادنا لا يطبق قاعدة العرض والطلب فقط وإنما يطبق أيضا قاعدة زيادة السعر مع زيادة الدخل. ولا يمكن مواجهة هذه القاعدة إلا بذكاء المستهلك الذي يمكن أن يقلب الطاولة على زيادات في الأسعار بترك شراء السلعة ومقاطعتها تحت شعار «خليها تخيس».. وهو موقف قوي من المستهلك يستطيع من خلاله زيادة العرض وبالتالي انخفاض السعر لأي سلعة ابتداء من البصل والطماطم إلى شقق التمليك والسيارت مرورا بالأراضي وكافة الضروريات والكماليات، يمكننا كمستهلكين أن نمتنع عن شراء الطماطم أو السمك أو حتى اللحم ونتجه إلى بدائل متنوعة، وحقيقة فإن المستهلك يمكن أن يكون مؤثرا قويا في تحديد الأسعار، ولاعبا أساسيا في قاعدة العرض والطلب، والموضوع لا يحتاج غير موقف قوي من المستهلك، وهنا أسوق لكم مثالا حيا عشته قبل أيام في سوق السمك المركزي «البنقله» حيث الأحباب «البنجال» يسيطرون عليه ابتداء من البيع مع تباشير الفجر إلى «التقشير» و«التقطيع».. دخلت الحراج على أنواع من السمك، وأثناء المزايدة على سمكة «هامور» وجدت «المحرج» يضع سعرا غير مقبول، فطنشه كل الحضور واستمر في «التحريج» عليها بسعره الذي بدأه، ولما زاد التطنيش حتى من «البنجالة» المزايدين، تراجع وخفض السعر حتى وصل إلى حد معقول، وكانت من نصيب أحد المشترين.

صدقوني أن المستهلك أساس تجارة التجار ودخل الشركات والمصانع وكافة الأعمال، لكنه لا يعرف كيف يثبت موقفه لأنه يفتقد إلى ثقافة التوفير وترشيد استهلاكه، ويفتقد أيضا من يدافع عنه لغياب «حماية المستهلك» وغياب دورها.