نوال الصوفي سيدة تقيم في إيطاليا، ورغم انخراطها في العمل الإنساني والمجتمعي منذ نعومة أظفارها برفقة والدها الذي كانت ترافقه لتقديم العون للمهاجرين الجدد، إلاّ أن ما تقوم به اليوم بات يشكل عصب حياتها وحياة الآلاف من البشر الذين يركبون قوارب الموت ولا يحملون معهم سوى الأمل ورقم جوال «نوال».

«الحقينا يا نوال نحن في عرض البحر» و«المركب لا يستطيع حملنا»، هذان نموذجان لبعض صور الاستغاثات التي تنهال يوميا على هاتفها بعد أن أصبح رقمها صلة الوصل للاجئين الذين يقفون بين أمواج الموت وحرس خفر السواحل الإيطالية، وبعد أن ساهمت في إنقاذ 200 ألف لاجئ حتى اليوم!!

على نفس المسار، كانت ثمة صناعة أخرى للأمل من نوع آخر، ومن قبل وجه إنساني آخر، هي معالي العسعوسي من الكويت، التي تركت حياة الفن والرفاهية وبذخ العيش، لتهاجر إلى مكان لا يسكن فيه سوى البؤس والفقر والمرض، وذلك عندما ذهبت لدراسة إمكانية إقامة مشروع إنساني في اليمن قبل بضع سنوات، لكنها صُدمت بتردي الأوضاع المعيشية وأدركت حينها أنها وجدت رسالتها في الحياة، فلم تعد إلى بلدها، وأسست مبادرة «تمكين» لتنمية المرأة والطفل تحديداً، وانطوت تجربة «معالي» على سجل حافل من العطاء الإنساني تمثل في تنفيذ 15 مشروعاً مائياً استفاد منه 45 ألف شخص، كما نظمت 30 حملة إغاثية لأكثر من 250 ألف شخص، ووفرت أكثر من 600 منحة دراسية، وساهمت في إجراء خمسة آلاف عملية جراحية لمكافحة العمى.

وقبلهما كان العراقي هشام الذهبي الذي فتح بيته للمشردين والأيتام في بغداد ولا يزال، والذي لم يكتف برعايتهم فقط بل أغدق عليهم من حنان وعطف الأبوة وتفرغ لرعايتهم تماما، ليؤسس في مرحلة لاحقه «البيت العراقي للإبداع» الذي تخرج منه 150 طفلاً مبدعاً وفناناً حازوا على أكثر من 50 جائزة عراقية، و28 جائزة عالمية، وما يزال يؤوي في منزله 33 طفلاً إلى اليوم، لا يقوم بإطعامهم وكسوتهم فحسب وإنما يحكي لهم حكايات السمر ما قبل النوم.

وعلى هذه الخطى، تقف في مكان آخر «ماما ماجي» المصرية، وأصحاب «الخوذ البيضاء» في سوريا، ولفيف طويل من نماذج إنسانية متفردة حازت على جوائز عالمية في العمل الإنساني وصناعة الأمل!!

نحن مجتمع متدين ومجتمع إنساني، ولك أن تسبغ علينا ما تشاء من الأوصاف، لكن رغم ذلك لم يخرج منا مثل هذه النماذج، ونحن الرواد كما يفترض، فهل يعود السبب لكوننا اكتفينا بالوعظ المجرد والخطابة أمام الميكرفونات، أو لأننا انشغلنا بهندسة الكون اجتماعياً وفكرياً وتركنا العمل والميدان لغيرنا؟

شهر مبارك، وكل عام وأنتم بخير.