هناك مقولة أصبحت حصرية على مدينة جدة العروس، التي نحبها مهما شابت، تلك المقولة «تبسم أنت في جدة» وقد يسمح لنا من سن التبصيم خمس مرات في اليوم، أن نستخدم كلمة «تبصم» بدل «تبسم» حسب الضرورة. والحقيقة أن جدة هي التي وضعت بصمتها على وجدان كل من عاش فيها أو زارها ولو في السنة مرة.

تظل جدة مدينة الود والبساطة، مدينة الفن والكورة والأمثال المأثورة، جدة بلد الأسماك والصيادية والفول والمقلية والماسية والمهلبية. باكورة من بواكير العلم والتعليم والثقافة والمذياع والتلفاز والصحافة والأدب والشعر والطرب. مدينة الاقتصاد التي كان يهفو إليها التجار من كل أنحاء البلاد، تتلمذ على أناملها الكثير من التجار، وكانت موطئ سعد لأهلها ومن بعد للجار. مدخل الحرمين وبوابتهما يصلها الحجاج من مينائها البحري الأقدم وعلى مدرج مطارها يطل الزائر والمحرم. جده فتحت ذراعيها لكل الأطياف من مختلف المدن والقرى والأرياف.

لم تسأل من هذا ومن ذاك، بل الكل في القلب يُستقبل بكل الحب. بحرها الجميل أيقونة جدة وعنوانها الأصيل، وإن شابته بعض التفاصيل التي كانت تحتاج للتجميل ليكتمل رونقه. يلتم على كورنشيها البديع أهلها وزوارها ينقشون على ترابه قصص الود والتقارب، ويتذكرون حكايات الوقت الجميل عندما كانت الحياة بسيطة لا ضجيج ولا «زمبليطة»، عندما كانت تنام على هدهدة صوت أمواجه وتصحو على نسائمه. جدة الكنداسة أول مصفاة تحلية شرب الناس منها وذاقوا الماء المحلى من بحرها، بعد ما كانوا إذا لم يصافهم النديم ولا وافقهم وسوى فيها فهيم يقولون له ممازحين إذا مو عاجبك اشرب من البحر. هذا البحر الذي انداحت على سطحه قصص البحَّارة، تعبهم وسهرهم، والذي ترقرقت دمعات أعينهم أحيانا من الهم والقهر لندرة الصيد أو لحادثة هنا وهناك، فالأمر لا يسلم فالبحر غدار. وأحيانا أخرى تنهمر تلك الدموع مع ضحكاتهم التي تخرج من أعماق قلوبهم عندما يفيض عليهم بالصيد الوافر فيرجع كل منهم إلى البنقلة فرحانا ظافرا. ذاقوا البحر ملحه وحلاه حبوه بطغيانه وبسكينته. عفوا عنه عندما لم يعطهم ولم ينسوا جميله إذا ما فاض بخيراته. بنوا من حجارته المنقبة البيوت التي آوتهم ولمة العيلة التي كانت تسهر في رحابه على ضوء الفانوس الخافت مرة وأخرى على ضوء القمر وهم يعزفون السمسية ويغنون المزمار والصهبة والدانة. وإذا ما جن الليل نام الجميع. ليؤذن الفجر ليبدأوا يوما آخر من أيام جدة.

جدة لا تتنكر لمن عاش فيها ولو فترة قصيرة، جدة قصيدة وله، وموال غرام بينها وبين عشاقها. الحب الذي تسلل للقلب وأسر اللب من أول نظرة، بكل كبرياء التاريخ وتواضع الإنسانية تسمح جدة أن يضع أي من كل هؤلاء البشر بصمته على أديمها وثقافتها بعد أن وضعت هي بصمتها على قلبه ووجدانه. جدة التي بزغ فجر حضارتها مبكرا فأثرى كل من سكنها وحبها وخطب ودها. لم لا فهي العروس وكفى.