ليس ثمة معلق أو متحدث عام إلاّ ويطرح وجهة نظره وفق رأي مسبق في الغالب، مع أو ضد، وإن لم يكن كذلك فإن روح المجاملة قد تخونه وتطغى على رأيه المعلن بالموجب أو السالب، لكن قِلة هم الذين يتحدثون بشكل موضوعي أو مجرد في منطقتنا العربية تحديدا ويضعون الأحداث في نصابها الحقيقي!

ما حدث في الرياض كان شيئا آخر تماماً، فقد كشفت هذه الأحداث والمناسبات السياسية المتلاحقة عن عمل هائل وجبار كان يجري من خلف الكواليس طوال هذه الفترة القصيرة، ليس في ما يتعلق بالجوانب البروتوكولية وشؤون المراسم والضيافة وتعقيداتها المختلفة، التي تظهر فيها المملكة تفوقاً فطرياً وخبرة لا تضاهى إلى أن أصبحت تشكل «براند نيم» لصورة البلد في الخارج، وهو ما يتسق حقيقة مع صورة البلد وتقاليدها الأصيلة، وخصوصيتها الحقيقية، وإنما أيضاً ما يتعلق بالتدابير السياسية والتحضير لمثل هذه المناسبات، سواء ما يتعلق منها بالعلاقات والاتفاقيات الثنائية، أو ما يتعلق بالاجتماعات والمؤتمرات الدولية وكيفية إدارتها وتوظيفها.

في اعتقادي أن كل من حضر هذه الاجتماعات، خصوصاً أركان الإدارة الأمريكية، أدركوا قدرة المملكة على الاستقطاب السياسي، وقوة تأثيرها الروحي، وقدرتها على إدارة دفة وعجلة الأحداث والتحالفات الدولية بصورة غير مسبوقة.

البرنامج الذي أُعد للرئيس الأمريكي تمت دراسته بشكل رائع على ما يبدو، ويحمل في مضامينه خبرة سياسية رفيعة، فقد أعطى انطباعا لا يقدر بثمن عن صورة المملكة، ملكا وحكومة وشعبا، وأظهر ملمحاً عن إمكانياتها وقدراتها وثقافتها وضيافة أهلها واحتفائهم بالأجانب، وأن التعصب الذي شاب صورتها النمطية في الخارج هو أمر دخيل، ولا ينسجم تاريخ أبنائها ولا يتجانس مع جوهر وطبيعة الفرد السعودي، والدليل ما قاله الرئيس الأمريكي في خطابه على مسمع من العالم أجمع، بعد أن بدا وكأنه مبهور بالترتيبات الملكية العريقة، والتدابير السياسية الرفيعة، وأعتقد بأنه كان أسعد الناس لأن رهانه على المملكة في أول زيارة له لم يكن رهاناً ناجحاً فحسب، وإنما كان متألقاً بكل المقاييس السياسية والتنظيمية.

خطاب الملك سلمان وحضوره في كل مناسبات وتفاصيل هذه التظاهرة العالمية ونشاطه المتقد وإدارته لدفة هذه الحوارات والمؤتمرات بكل هذه الثقة والرزانة السياسية، تنم حقيقة عن تجربة ناضجة وحنكة سياسية وكانت من أبرز نقاط الارتكاز لنجاح هذه المناسبات.

ثمة لاعبون وطنيون آخرون قاموا بهندسة برامج هذه الزيارات، وحضّروا لهذه الاجتماعات، ورفعوا صورة المملكة عالياً أمام العالم أجمع، لا أود أن أذكر أسماءهم هنا، لأنكم قطعاً تعرفونهم جيداً.

Alholyan@hotmail.com