خضر عطاف آل خضر المعيدي*
اعتلاء منبر الجمعة لا يعني اعتلاء منصة التتويج، وإنما اعتلاء عتبة الأمانة الملقاة على العاتق في تنوير المجتمع بكل ما فيه صلاح لمعاشهم ومعادهم. وخصخصة المنابر لفئة محددة من المجتمع وفق أنماط شكلية من قصر في الثوب أو إطالة في اللحية وما إلى ذلك من السمات المميزة لبعض فئات المجتمع، أدت إلى ضمور في دور المنبر في إرشاد الأفراد حول قضاياهم المجتمعية وصب جل الاهتمام بتهيئة الناس للآخرة، وإهمال قضايا الكون والحياة والمجتمع. أن يعتلي المنبر شخص لا يهتم إلا بإعادة النصوص التي كتبت في كتب خطب الجمعة، فالبداية هي البداية والخاتمة هي الخاتمة منذ 50 سنة، أدت بدورها إلى دفع الناس لاختيار الأماكن الملاصقة للجدار وأعمدة المسجد، ليغطوا في نوم عميق، لا يوقظهم منه إلا إقامة الصلاة، لأن أكثر المصلين قد حفظوا الخطب أكثر من الخطيب. لابد من وقفة جلية وشجاعة في إعادة الهيبة لمنبر الجمعة، وجعله مكانا للتثقيف المجتمعي ومنبرا لتطوير الأمة، بدلا من إعادة التراث الذي يعرفه الصغير والكبير.

لقد اكتفى أفراد المجتمع من أحاديث عذاب القبر والثعبان الأقرع والتخويف بقصص الوعاظ وإعادة سلسلة كرامات السابقين من الزهاد والمحدثين، ما يريده أفراد المجتمع الآن هو الواقع وليس المثاليات.

أثار أفلاطون في كتابه جمهورية أفلاطون نفس القضايا، وذلك بالتصدي لفلسفة الاسمية ومن ثم فلسفة المثالية، وأراد بذلك بناء الحياة وفق فلسفة الواقع، ونحن لا نريد أن يجعل من يعتلي المنبر من نفسه أفلاطونيا، ولا بالمقابل سفسطائيا، ولكن نريد فردا مختصا في مجاله ينور المجتمع بنوائب العصر.

ما الضير لو اعتلى المنبر طبيب ليفقه الناس بالأمراض التي تجتاح المجتمع وكيفية الوقاية منها، وسبل العلاج، وكذلك تنوير المجتمع بأن الهدف الأسمى للطب هو الوقاية قبل العلاج. وما الخطر لو اعتلى المنبر عالم اجتماع ليرشد الناس حول القضايا المعاصرة التي يعاني منها كثير من أفراد المجتمع كقضايا العنف الأسري والتفكك الأسري، وارتفاع نسبة العنوسة وما إلى ذلك، فيكون المجتمع على دراية بأسباب المشكلات والحلول المقترحة لذلك. ماذا لو اعتلى المنبر مختص بعلم النفس ليفرق للناس بين مفهوم العين والحسد ومفهوم الوسواس القهري وانفصام الشخصية، وليعتلي المنبر رجل أمن يشرح لأفراد المجتمع أهمية قيمة المواطنة وكيفية الحفاظ على مدخرات الوطن، وعلى المال العام، وعن كيفية الحفاظ على الأمن، وما دور كل فرد تجاه وطنه بدلا من أن يكون المتحدث واحدا ومن باب شرعي فقط.

لماذا لا تعاد النظرة إلى المنبر بنظرة شمولية والكل يؤمن بأن الدين شمولي، فإذا أتت سيرة المنبر تجاهلوا الشمولية ونطقوا بفردية الشرع، ألم تحن الفرصة لكي نضع الأمور في نصابها ويكون المنبر سراجا منيرا لكل فرد في هذا المجتمع وليس مخصصا لفئة معينة، وإنما لكل من يستفيد المجتمع منه ومن فكره، دون تحيز أو إقصاء، فالدين واحد والهدف واحد وهو صلاح المجتمع في دنياه أولا؛ لأنه إذا صلح أمر الدنيا صلح أمر الآخرة.

* أكاديمي وباحث - جامعة أم القرى

Kattaf2014@gmail.com