عبدالعزيز الربيعي (مكة المكرمة)، ثامر قمقوم (عرعر) عبدالله القحطاني (أبها)علي الرباعي (الباحة)
@florest66

@tgamgoom

AbdullahssOkaz@

Al_ARobai@

في صبيحة عيد شوال 1434، لا تنسى غدير الوادعي كيف أحالت رصاصة طائشة عيد أسرتها إلى «صبيحة رعب»، الأمر تكرر في عدد من الأسر السعودية والمقيمة، إذ إن رصاصة طائشة بمقدورها أن تحيل الفرح إلى مأتم. وفي حوية الطائف مازال السكان يتذكرون مقتل الطفلة شموخ التي لم تكمل عامها الخامس، جراء طلقة طائشة يعتقد أنها جاءت من إحدى قاعات الأفراح المجاورة.

ورغم انخفاض ما بات يعرف بـ«ظاهرة إطلاق النار» في المناسبات بسبب التشريعات الصارمة المناهضة لها، إلا أن الظاهرة لم تختف تماماً في عدد من مناطق المملكة، ما يجعل هاجس الخطر حاضراً في عدد من المناسبات كالزواجات والأعياد.

ويرى أحمد الزايدي في الحوادث التي سجلتها القاعات وقصور الأفراح «حوادث يندى لها الجبين»، مشدداً على ضرورة التنبه لمن يحمل سلاحاً في الأفراح «نعلم أن الكثير يستخدمه ضمن الموروث والرقصات الشعبية ولكن نخشى أن تتطور الأمور لما لا تحمد عقباه». ويعترف عمدة حي السر جنوبي الطائف فواز السواط بانخفاض الظاهرة بعد التشريعات الصارمة التي أصدرتها السلطات لمكافحة إطلاق النار في الأفراح وحمل الأسلحة، متطلعاً إلى تعاون الجميع من خطر التلاعب بالنار «الذي قد يدفع ثمنه أبرياء دون ذنب».

من جهته، يعتبر اللواء متقاعد مركي الرويلي في حديثه إلى «عكاظ» ظاهرة إطلاق النار في الأفراح «نوعاً من أنواع الانفلات الأمني»، كونه يعرض حياة الآخرين للخطر، واصفاً إياها بـ«الظاهرة السيئة والخطيرة على أفراد المجتمع».

ورأى اللواء المتقاعد الذي سبق أن أدار شرطة منطقة الحدود الشمالية ضرورة مقت هذه التصرفات وزجر من يمارسها، مضيفاً «الإنكار على ممارسي تلك التصرفات يعتبر من أنواع الضرب على يد السفيه حتى لا تغرق السفينة، وإذا تمادى ولَم يستجب وجب عرضه على الجهات المختصة لتأديبه، والمجتمع هو الوحيد الذي يستطيع أن يغير هذه العادات السيئة بعدم إقراره لها».

ويؤكد اللواء الرويلي معاصرته لعدد من المآسي بسبب الظاهرة خلال عمله الأمني، مضيفاً «على سبيل المثال لا الحصر، في إحدى مدن الحدود الشمالية دعي جمع غفير لمناسبة، وبعد تناول العشاء أطلق أحد الحضور النار من مسدس كان يحمله، لتستقر إحدى طلقاته في جسد طفل لم يتجاوز الـ15 عاماً، ونقل إلى المستشفى، بيد أن الجرح غائر، وتوفي ولم تسعفه المحاولات». وانتقد الرويلي عدم تأثير تلك القصة في المجتمع «أثرت فيهم قليلاً ولكن سرعان ما عادوا إلى هذه العادة متناسين مقتل الطفل الذي كان وحيد والديه».

في المقابل، يرى بندر الشمراني صعوبة المنع الكلي لإطلاق النار في المناسبات والأفراح، كونها أضحت عادة مجتمعية في بعض المناطق تدل على الحفاوة والترحيب بالضيوف والسعادة بقدوم الوفود، «كما أن إطلاق النار في مواسم الزواج من المظاهر التي تعبر عن الابتهاج بالزواج لأهالي العروسين ما يعطي المناسبات جانبا من الفرح والسرور».

وينتقد الشمراني في الوقت ذاته المبالغات في إطلاق النار والعشوائية، مشدداً على ضرورة تعاون الجميع على منع ما اعتبره «مبالغات في إطلاق النار» والحد منها.

السجن والغرامة في انتظار «المتباهين» بالأسلحة

اعتبر المحامي إبراهيم الحسين استخدام الأسلحة أثناء الأفراح والمناسبات «مخالفة صريحة لنظام الأسلحة والذخائر»، ما يعرض مرتكب هذا الجرم للعقوبة بالسجن أو الغرامة المالية، أو بكلتا العقوبتَين حسب الحالات المنصوص عليها في النظام.

وأوضح المحامي الحسين لـ«عكاظ» أنه ينظر لهذا الجرم من حالين؛ «إما أن يكون السلاح مرخصاً واستخدامه تم في غير الغرض المرخص من أجله، وفي ذلك يعاقَب بالسجن مدة لا تتجاوز سنة، وبغرامة لا تزيد على خمسة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، أو يكون السلاح غير مرخص، فيعاقَب مستخدمه بالسجن مدة لا تزيد على ١٨ شهراً، وبغرامة مالية لا تزيد على ستة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين».

وتابع: «كما أنه في حالة حدوث أي إصابة لسوء استخدام الأسلحة بما يعرض سلامة الآخرين للخطر، فإن المتسبب يعرض على القضاء الشرعي لتقدير العقوبة المستحقة عليه شرعاً فيما يتعلق بالحقَّيْن الخاص والعام، إضافة إلى ما قرره النظام مسبقاً بالحالات المشار إليها أعلاه».


تعايشت معها تجنباً لخطورة التدخل الجراحي

غدير.. عامان من صداقة الرصاصة الطائشة!


لا تزال الرصاصة الطائشة التي اخترقت جسد الطفلة غدير الوادعي في صبيحة العيد قبل أربعة أعوام بالطائف غير معروفة المصدر، بيد أن والدها يرجح فرضية أن تكون الطلقة قدمت من الأحياء المجاورة فرحاً بالعيد. ويحكي علي بن مانع الوادعي (شقيق الطفلة غدير) لـ«عكاظ» تفاصيل الحادثة التي أحالت فرحهم بالعيد إلى صبيحة ترقب وقلق، قائلا إن شقيقته كانت تجهز فستان العيد لتخرج إلى مصلى العيد، وصعدت إلى السطح لتستقر رصاصة طائشة في جسدها، لتسقط على الأرض مضرجة بالدماء دون معرفة الجاني.

ويضيف «نقلناها لمستشفى الملك فيصل بالطائف، إذ قام الأطباء بغسل الجرح ورتقه، وتوقعوا أن الجرح بسبب الألعاب النارية فغادرت المستشفى، وهي تئن من الألم. وبعد مرور أسبوعين وتحت إلحاح والدتي نقلناها مرة أخرى إلى المستشفى، وهناك خضعت للأشعة، وصعقنا بالنتيجة التي تفيد بوجود طلق ناري في البطن لا نعرف مصدره حتى هذه اللحظة». وأشار شقيق غدير إلى أن «الصدمة الثانية التي تعرضنا لها هي رد فعل الأطباء، فبعد خطئهم الأول بالسماح للطفلة مغادرة المستشفى دون التثبت من حالها، أبلغونا أن عملية إخراج الرصاصة ستعرضها للخطر، وليس ثمة حل سوى استمرارها على العلاج والتعايش مع الرصاصة المستقرة في أحشائها، حتى تمكن فريق طبي في مستشفى نجران من استخراجها».


لحظات دهشة محفوفة بالمخاطر

تبقى مسألة إطلاق الذخائر الحية والأعيرة النارية في الأفراح محل جدل كبير في الأوساط المجتمعية، إذ يتحجج الرافضون لتجريمها بكونها جزءا من الموروث الاجتماعي، فيما يستشهد المناوئون لها بالكوارث الكبيرة التي تسببها الأعيرة الطائشة، بيد أن ثمة إجماعا على خطورتها، رغم التفاوت في المطالب بين مطالب بالتقنين ومنادٍ بالمنع الكلي.

ويرى علي الشديد (من سكان أبها) في إطلاق الأعيرة النارية في مناسبات الأفراح «أمراً ذا خطورة كبيرة ويحتاج إلى توعية بين أفراد المجتمع كونه خطرا يتربص وشراً واقعا، وفيما لو حصل الخطأ وانطلق عيار ناري لأي شخص لانقلب الفرح إلى ترح».

ويذهب إبراهيم عسيري إلى اعتبار الأمر بـ«مغامرة بأروح الناس»، وأن استخدام السلاح من قبل الشباب المراهقين في المناسبات والزواجات خطير، مشيراً إلى أن الظاهرة انتقلت إلى الأطفال أيضاً عبر الألعاب النارية شديدة الانفجار. ويستذكر عبدالعزيز آل دحلان (طالب جامعي) قصة لأحد أقاربه الذي سقط قتيلاً بعد أن انطلقت رصاصة طائشة من ولده الذي كان ينظف السلاح استعداداً لليلة زفافه، لتتحول الليلة المرتقبة إلى عزاء، ويتخذ آل دحلان موقفاً شديد الحدية من استخدام السلاح في الزواجات، إذ يراه «أمراً منافياً للتحضر وفيه مجازفة كبيرة». وفي الوسط التربوي، ينتقد إبراهيم فرحان وأحمد الفيفي الظاهرة التي يرون فيها خطورة، مشيرين إلى أنها منتشرة في الأفراح ولا تزال حاضرة في المناسبات. في المقابل، يرى آخرون أن إطلاق الأعيرة النارية في مناسبات الزواج متصل بموروث شعبي، ومتعارف عليه بين أبناء المنطقة، مستشهدين بإطلاق الباورد (ذي الخطورة المنخفضة) وارتباطه برقصات بعض السعوديين الشعبية. وحذرت شرطة منطقة عسير في بيانات سابقة من خطورة استخدام الأسلحة في المناسبات العامة وإطلاق الأعيرة النارية، معتبرة أن تلك الأسلحة الخطرة قد تقتل بسبب رصاصة طائشة وتتسبب في الكثير من الحوادث المأساوية.


الباحة تؤثر إيقاع «الطبول» على أزيز الرصاص

كان إطلاق النار فوق رأس العروس في منطقة الباحة من الطقوس المتوارثة، إذ إن تثوير البندق والرمي بالمسدسات والرشاشات عند وصول شريكة العمر إلى منزل شريكها من أبلغ التعبيرات عن الترحيب بالعروس وأهلها، وغالباً ما كان يتولى العريس أو شقيق العروس مسؤولية نثر الرصاص فوق رؤوس القادمين بالزفة الراقصة. واستمرت الظاهرة عقوداً وتنامت حتى نتج عنها إزهاق أنفس بريئة، ووقعت إصابات خطيرة، وسكن الذاكرة ترويع للآمنين، إذ انفلت الرشاش الأتوماتيكي من يد أحد المحتفلين في ليلة العمر وتسبب في تحويل نهار زيجة بيضاء إلى مساء قانٍ. وبرغم أن تحذيرات إمارة منطقة الباحة متجددة في كل موسم صيف إلا أن البعض لم يتخلص من «نعرة» المفاخرة والمباهاة، معرضاً حياته وحياة الآخرين للخطر بممارسة فعل مروع للآمنين ومنتهك للنظام والأمن. وتؤكد وزارة الداخلية على إمارات المناطق في كل عام بضرورة التعامل بحزم مع مخالفي الأنظمة ومستخدمي الأسلحة النارية خلال المناسبات الخاصة وحفلات الزواج. وفي الباحة تم تعميد الجهات الأمنية بمراقبة القصور وقاعات الاحتفالات والاستراحات، وتطبيق النظام بدقة. وشدد توجيه وزارة الداخلية على إمارات المناطق والأجهزة الأمنية المختصة وهيئة التحقيق والادعاء العام بتطبيق الأنظمة والتعليمات بحق من يقوم بإطلاق النار في المناسبات، ويُعد إطلاق النار في مثل هذه الحالات جريمة يعاقَب عليها بموجب نظام الأسلحة والذخائر بالسجن والغرامة. فيما عدّ بيان لهيئة كبار العلماء إطلاق النار وما أشبه ذلك في الزواج، من المبالغة والإسراف، إضافة إلى ما قد يترتب عليه من الخطر "كون إطلاق النار باستعمال السلاح فيه مظنة الإضرار بالآخرين".

ويؤكد الشاعر علي البيضاني أن التجارب المأساوية تهذب تصرفات ونزق المجتمع. مشيراً إلى أن إيقاع الزير غدا سمة من سمات أفراح منطقة الباحة منذ أعوام. لافتاً إلى استجابة المواطنين للتوجيهات الرسمية وإغلاق باب حضور السلاح في الزواجات ناهيك عن استعماله. مبدياً سعادته بأن نغمات العرضة تغلبت على أزيز الرصاص وأخفته من المشهد الاحتفالي كلياً. وعزا الفضل الأمر إلى أن الكوارث التي لا تزال تسكن ذاكرة الأهالي.