هل ثمة رأي عام حقيقي في المملكة؟ ومن يصنع هذا الرأي العام ويوجهه؟ وكيف تتم عملية صناعته؟، قبل الإجابة على مثل هذه الأسئلة ينبغي أن لا ننسى أولا حجم الفروقات في موجهات الرأي العام ومنهجيات بنائها في المملكة، مقارنة بالدول الأخرى، التي غالبا ما تستند على ثوابت مسبقة دينية وسياسية واجتماعية، وهي ما سهل على المؤسسة الرسمية والاجتماعية بناء مجموعة البرامج والمفاهيم التي تنسج من خلالها منظومة بناء الرأي العام التقليدي، خلاف أن تشكيل هذا الوعي ظل يستند طوال هذه الفترة على تفسير واحد للأحداث، إلى أن جاءت هذه الموجهات (من خارج الصندوق) لتعصف بالأخضر واليابس!!.

ورغم تعدد تعريفات الرأي العام، وأنها تتمركز حول «فكرة» ويمثلها «الرأي» و«تهم المجتمع» ويمثلها «العام»، والتي يشترط في (الفكرة) أن تتبناها جماعة تجمعهم مصلحة مشتركة أو فكر موحد تجاه قضية عامة، وهذا ما ينسحب بحذافيره اليوم على أدوات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تصنع النموذج، خصوصاً بعدما كشفت المعلومات وجود ما يقارب 55 مليون مشترك في الإنترنت، وأن 94% من مستخدمي الإنترنت يمتلكون حساباً على منصات التواصل الاجتماعي، منهم 89% يمتلكون حسابات على مواقع الفيسبوك، و75% على تويتر، وهكذا.

هنا لا أود أن أخلط بين موجهات الرأي العام التي تقوم اليوم، من حيث نعلم أو لا نعلم، بأكبر حملة تغيير لتشكيل ثقافات فرعية (بديلة)، وبين قياس الرأي العام بشكله المجرد والمطلق، الذي يهدف إلى قراءة توجهات الناس اجتماعيا وسياسيا وفكريا إزاء جملة من القضايا والملفات الملحة..

اليوم يتضح أن الرأي العام الذي كان أحاديا أصبح يحتمل جملة الثنائيات بعد أن توارى دور الأعراف الاجتماعية والإعلام الرسمي وشبه الرسمي، التي كانت تمتلك حقيقة واحدة فقط، وبالتالي أصبح يتبارى على تشكيل هذا الرأي فئات (معرفات) جديدة تماماً تحمل رؤى فلسفية مختلفة تعتمد على محاكاة توجهات الجماهير، وهو ما أفرز - في ما أفرز - تكوين المجتمع المثالي المتخيل (اليوتيوبي) الذي تقوم ملامحه على النقد العنيف، وهذا ما يتطلب بناء مؤسسات مستقلة لقياس توجهات الرأي العام إزاء هذه القضايا الجدلية ومراحل بنائها ومحاولة التنبؤ بأبعادها وتأثيراتها المستقبلية!!.