«عكاظ» (جدة)
okaz_online@

تحتاج إلى قلب من صخر، وذاكرة أسماك سرعان ما تنسى مشاهد الألم والقهر، وتحتاج إلى أموال بنوك وأنت تدخل إلى مخيمات اللجوء في الشمال السوري، وربما لا تكفي هذه الأموال حجم المأساة. ترددت كثيرا وأنا أتجه إلى هذه المخيمات، تثاقلت خطواتي وترددت في دخول عالم لا أعرفه من قبل في الشرق الأوسط، عالم لا ينتمي إلى قوانين الحياة، فلك أن تتصور خيمة تحت أشعة الشمس الحارقة في الصيف وأمطار الشتاء الموجعة.. لكنني تجاوزت كل التحديات الباطنية واقتحمت الألم. في الساعة السادسة صباحا ومع بزوغ الشمس، اخترت هذا التوقيت لمداهمة المخيمات، لكني وجدت أطفالا سبقوني، يهربون من الخيمة من اللحظات الأولى لبزوغ الشمس، لم أفهم أن يستيقظ طفل في هذا الوقت المبكر، لكن مرافقي أجابني أنهم يفرون من سجن الخيمة المقفرة. اغرورقت عيناي وأنا أحادث طفلا في الخامسة من العمر وهو يقول لي «صورني» بـدولار أمريكي، كانت لحظة موجعة لصحفي يبحث في تفاصيل الصراع السوري.. للوهلة الأولى شعرت أنني أتاجر بهذه الصورة وأن كل صورة، تلتقط في هذا المخيم جريمة، أو في أفضل الأحوال مهنة بيع الألم يمارسها صحفي يمكث ساعات في أرض القهر ثم يترك هؤلاء يصارعون الحياة. سألته ماذا ستفعل بــ «الدولار»، كانت الإجابة بحجم جبل من المسؤولية عما يجري في سورية، قال «أشتري لي ولإخوتي عصيراً وبسكويتاً»، فلم أعرفه منذ فترة.. كان الحوار مع ذلك الطفل يلخص المأساة في سورية والعراق واليمن.. وهو أفضل من استنطاق أكبر سياسي. لم أكن بحاجة إلى صناعة قصة خبرية ضاربة في صحيفتي، ذلك أن الألم وقصص الخوف في كل مكان، فمجرد أن ترفع الستار عن خيمة تكشف في كل شبر من هذه الخيمة (3-3) ألف قصة وحكاية.. حكايات من الخيال في كل ركن من أركان الخيمة، فهي المطبخ وغرفة النوم ومكان السهرة وفي بعض الأحيان مقعد للدراسة. «عكاظ» التقت العديد من المسنين والأطفال والنساء في مخيمات جرابلس وشمارين والراعي ومخيمات أخرى، ولأن الألم يتشابه في كل هذه المخيمات، كانت الإجابات تتشابه.. تجرأت فسألت عجوزا سؤالا أكسر به الجيد لأتوغل في حواري معها. قلت لها ببساطة كيف الحياة يا أمي.. فأجابت «ملعونة خيمة في أرض الوطن». مسن آخر، كان على طرف الخيمة يراقبني في كل تحركاتي، وحين غادرت تقدم إلي وقال: أصبحنا صورة وموضوعاً صحفياً فقط.. نحن بشر..! غادرني ومعه غادرت المخيم. في هذه المخيمات سورية الحقيقية، سورية التي تجمع كل أبناء البلد من الشمال إلى الجنوب على أرض لا يعرفونها، جمعتهم الحرب على أرض الوطن الذي ضاع في غفلة من أبنائه. كل من التقيتهم في المخيمات توسلوا أن التقط لهم صورة، ويرددون علنا نحصل على معونات، ففي هذه المخيمات لا تكفينا المعونات التركية، ذلك أن المصاب كبير والأزمة أكبر من إمكانات دول. سألوني في المخيمات عن إخوتهم العرب، هل يرضون أن تعيش نساء سورية وأطفال سورية وفتيات سورية في هذا العراء المخيف، دون ماء أو كهرباء أو حتى طعام.. وحدثوني عن السوري «التاريخي» الذي رفض أن ينصب الخيمة للعراقيين واللبنانيين وغيرهم من الهاربين من الحروب، حدثوني عن يوميات المطر والعراء والسيول التي تقتلع الخيمة، وعن صيف لا يرحم وخيمة مهترئة وعن متاجرين بمأساتهم.. بينما يبحثون عمن يطعمهم ويقيهم ذل الخيمة على أرض الوطن.

أحب السعودية لأنها منحتني حقيبة

لفتني طفل سوري يحمل حقيبة مدرسية كتب عليها «الحملة الوطنية السعودية لنصرة الأشقاء في سوريا»، سألته من أين لك هذه الحقيبة فقال من السعودية، وصلتنا مع المساعدات الإغاثية.. وتابع الحديث «أحب السعودية لأنها أعطتني حقيبة». وبالفعل كانت هذه المساعدات من مركز الملك سلمان للإغاثة، إذ أرسلت السعودية بداية العام 25 قافلة محملة بالمساعدات الإنسانية إلى مخيمات الشمال السوري.. وكانت بمثابة المطر على الأرض اليباب - على حد وصف أحد القائمين على المخيم. استوقفني الطفل كثيراً بحقيبته وثيابه الرثة، وتتبعت خطوات الطفل الذي يحمل حقيبته المدرسية، وبقي نحو خمس دقائق يخطو في المخيم إلى أن دخل إلى خيمة متواضعة، وإذ به وبعض الأطفال يجتمعون فيكتبون ما تعلموه سابقا من المدرسة، فلا يوجد لهو لديهم سوى ذلك.. خيمة تجمعهم أفضل من صيف يفترسهم. ومع ذلك، مازال اللاجئون السوريون يتطلعون إلى أرض الحرمين ومركز الملك سلمان للإغاثة، إذ إن هذه المخيمات بلا رعاية ولا وصاية دولية، حتى إن المنظمات الدولية تكاد تكون مفقودة في هذه المخيمات. تحتاج هذه المخيمات إلى كل شيء، إلى الماء والدواء والغطاء، إنها حياة تفتقد لأي ركن من أركان الحياة، حتى ما يرتديه هؤلاء لم يعد يسترهم، ذلك أنهم غادروا بيتهم من ويل تنظيم داعش الذي نهب كل ما يملكون في بيوتهم، ليخرجوا من بيوتهم حفاة عراة.