استيقظت أم الصبيان مع صياح ديكها، فتحت باب بيتها مرددة «أصبحنا وأصبح الملك لله» سألت الله أن لا يحرمها مرور مقسم الأرزاق الذي يطوف بالبيوت قبل شرقة الشمس. وضعت حوكتها على رأسها، وشتفت لنفسها من طرف خبزة الذرة، وحملت ثلاجة القشر، وأدخلت قدميها في زنوبتها، وسرحت والحصى تتقافز من تحت خطاها.

كانت أعواد الذرة في وادي القرية تتمايل بعذوقها وكأن كل ركيب يتباهى بما فيه وبمن حوله. إذا ما هبت عليه الرياح تسمع حفيف الورق كأنه وشوشة عاشقين غير قابلة للوشاية. تولت أم الصبيان حمّاية الخريف، لحفظ الذرة من نقر الطير، ومن الشباب الذين يكسرون الأعواد لاستخراج الدود للمناسب والمراتم، المرجمة بجوارها تضع فيها من الحجارة المتوسطة وتهرف بها، صائحة (هش).

دخل الحيّال ركيب الخريف خلسة، انبطح على بطنه حتى لا يشوفه أحد، وبدأ يجمع بكفه من نبتة (الدنقة)، وتغفّل أم الصبيان وهي تحت عشتها تحمي الطير، فجعها بصوته (بع). خرعت، والتفتت إليه، وقالت وشبك بغيت تأخذ عقلي الله يأخذ عقلك، ويبعبع بك. ضحك حتى بغى يتشدّق، استقعد، وتناشدوا عن الحال والعيال، صبت له فنجال قشر.

حك لحيته ثم قال: بانشدك يا مودمانية: إنتي إذا أكلتي تنكعرين؟، قالت: إي والله. وأضاف «وإذا تكحّلتِ تفغرين» أجابت:عزّ الله إني أفغر. قال: إذاً إنتي معيونة وعلاجك عندي. فرك الدنقة في ثلاجتها وطلب منها أن تشرب دفعة واحدة دون أن تتجغم وأن تقضم لها خوطين دنقة.

انتشت أم الصبيان، وسألت الحيال: معك كيس، فناولها كيس نومه، وبدأت تقصع من عذوق الذرة وتعبي الكيس حتى فاض حمله على ظهره وانطلق لقريته.

تسامعت القرى أن أم الصبيان تجننت. تناقلوا أخبارها أنها راحت من الوادي، واستلمت أكياس الحب تنقلها من مكان إلى مكان طيلة الليل. وزوجها وأولادها يلازمونها، وهي تردد: البيت بيطيح عدّلوا الأكياس، انخمدت في نوم ثلاثة أيام ثم أفاقت، سألها زوجها وين العذوق، فردت شعراً (اشتلها جوف كيس النوم واقفى بها). علمي وسلامتكم.