تحقيق عبدالله الغضوي (الباب) | | الحلقة 01
كان رئيس التحرير قد منعني من الذهاب إلى سورية، وساق لي مبررات مهنية أخلاقية تتعلق بقواعد العمل الصحفي وقوانينه، قائلا: لا يمكن أن أسمح لك بالذهاب من دون التأمين على حياتك وعلى مستقبل أسرتك.. فقد تلقى ما لا تحمد عقباه في أرض الموت، إذ فرصة الموت أكبر من فرص النجاة، لاسيما وأن سورية هي أخطر مكان في العالم لعمل الصحفيين منذ أكثر من عامين، وفقا للجنة حماية الصحفيين المعنية بحماية حرية الصحافة حول العالم، ومقرها نيويورك.. ورغم ما قاله رئيس التحرير وتحفظه على الذهاب للاطلاع على مشهد الشمال السوري بعد طرد تنظيم داعش بعملية درع الفرات وقصف التحالف الدولي وتغير المشهد العسكري والسياسي، إلا أن هاجس الوقوف على أعقد صراع في العالم كما هو في الداخل السوري، ظلت فكرة مغرية لي ولكل صحفي يسعى لفهم ما يجري هناك بدل الجلوس مراقبا على وكالات الأنباء وشاشات التلفزة، خصوصا وأن الصراع أخذ أبعادا دولية محضة، بمشاركة الجيش الروسي والتركي والأمريكي وبات الشمال السوري منطقة دسمة إعلاميا. شاءت الأقدار، أن أكون مراسل «عكاظ» في تركيا، وبطبيعة الحال أصبح المشهد السوري في متناول اليد وعلى مرمى حجر، وارتفع مستوى الإغراء باقتحام الأهوال في سورية والبحث من داخل الصندوق، جاءت الفرصة التي تمكنني أن أكون صانعا للخبر لا متلقيا له. ولم أتردد في ترتيب رحلتي إلى الداخل بالتنسيق مع قيادات بارزة في درع الفرات (الجيش السوري الحر سابقا) في مدينة الباب وجرابلس وإعزاز وبقية المناطق السورية على أن يكونوا في الطرف السوري لحظة وصولي، ذلك أن فوضى السلاح في الشمال قد تعرضك للخطر، خصوصا وأن أرواح الصحفيين باتت إما فدية أو في المعتقلات، وفي أدنى الأحوال الابتزاز.. وبالفعل بدأت الرحلة من إسطنبول إلى غازي عنتاب باتجاه مدينة كلس الحدودية، لتبدأ رحلة العبور من بوابة باب السلامة المدججة وذات الأبواب العاتية، إذ كلما خرجت من باب يأتيك باب أكثر متانة.. نعم فالطريق إلى سورية عسيرة،

وعرة منذ البداية. خطوات معدودة تنقلك من الأراضي التركية إلى الأراضي السورية مشيا على الأقدام، إلى أن وصلت أول حاجز للتفتيش الأمني في سورية الذي تشرف عليه فصائل الجيش الحر، مكثت في غرفة التحقيقات ساعة كاملة، يستقصون عن مهمتي وصحيفتي التي فوجئت بأن الجميع يعرفها رغم أنهم في مهمات تبعدهم عن عالم الصحافة، وتحولت غرفة التحقيق إلى أحاديث عن سوق «عكاظ» والشعر.. إلى أن وصل ثلاثة من قادة الفصائل يسألون عني لأخرج من غرفة التحقيق، وأنا في عهدتهم على مدار أربعة أيام، تجولت «عكاظ» فيها على مساحة 3000 كيلو متر وقفت على بقايا تنظيم داعش في مدينة الباب والمدينة التي حفرها التنظيم تحت الأرض، وزارت أكثر من عشرين نقطة ساخنة، من بينها خط النار بين الجيش التركي والأكراد، وكذلك خطوط التماس بين المعارضة والنظام، فيما كانت المفاجأة في مدينة دابق التي طالما رأى فيها «داعش» أرض الملاحم، لكنها لم تكن كذلك، وهذا ما سترويه «عكاظ» في سلسلة من الحلقات.

ساعة واحدة من الخوف فقط



للوهلة الأولى، كل مشاعر القلق تنتابك وأنت تتجه لأي تغطية صحفية، فما بالك إذا كانت هذه التغطية على أرض الموت في سورية، حيث رائحة الموت في كل مكان.. مشاعر تتفاعل بداخلك، ألم وخوف وقلق، ورهبة من ألا تعود.. تتفجر في داخلك أسئلة كثيرة؛ لماذا أفعل هذا؟ إنها المهنة التي تدفعك في كثير من الأحيان إلى التهور من أجل استكشاف المجهول. لكن كيف تتغلب على الخوف وتبدأ صناعة القصة؟ سرعان ما يتبدد هذا الخوف حين تبدأ مهمتك، هي ساعات قليلة وربما ساعة واحدة فقط، تتحول من هاجس الخوف إلى حالة الاستطلاع اللامنتهية.. حينها يتغلب الصحفي على كل التحديات الكامنة في داخله.

«عكاظ» ويوم مظلم في مدن داعش تحت الأرض

100 طفل انتحاري.. وتلغيم «الباب» بالكامل



رغم القصف المكثف لطائرات التحالف الدولي والطيران التركي على معاقل تنظيم داعش في مدينة الباب، إلا أنه في كل مرة ينجو مقاتلو التنظيم من هذا القصف. حتى إن التحالف الدولي بات يعيد النظر في الإحداثيات المتوفرة لمواقع التنظيم الإرهابي. بل إن فصائل درع الفرات (الجيش الحر) التي تولت تحرير الباب بتغطية جوية، كانت تفاجأ خلال عمليات الاقتحام باختفاء مقاتلي داعش من المدينة، ليظهروا بشكل مفاجئ من تحت الأرض.. يباغتونهم بهجوم من الخلف.. وسرعان ما يتبخر هؤلاء المقاتلون؛ كان الأمر لغزا بالنسبة للجيش الحر، بحسب ما قال لنا مرافقنا في هذه الجولة.. إنه سر الأنفاق ومدن داعش تحت الأرض.!؟

«عكاظ» اقتحمت المدن السبع التي حفرها التنظيم في مدينة الباب، منها تحت الجبال وأخرى في المناطق الوعرة والصلبة، وكانت المفاجأة عمق هذه الأنفاق واتساعها وتوزيعها تحت الأرض بشبكة منظمة متصلة بمنازل قيادات للتنظيم، بحيث تهرب هذه القيادات فورا من منازلها إلى شبكة الأنفاق تحت الأرض. كما أن هذه الأنفاق قابلة لحركة القتال والتنقل من مكان إلى آخر. ومجرد أن تتقدم في هذه الأنفاق خمس خطوات، تنقطع الإضاءة بشكل كامل وتدخل في ظلام دامس يبث الرعب، ما دفعنا إلى استخدام أضواء «الجوالات»، تقدمنا أكثر فأكثر نحو الأنفاق فلم تعد تجدي أضواء الجوالات الشخصية؛ فاضطررنا للاستعانة بأضواء أكثر تقنية.. لقد أتيحت لنا الفرصة أن نعيش يوما كاملا تحت الأنفاق ونستكشف تفاصيل الحياة تحت الأرض.. وخلال المسير يمينا ويسارا فقدنا السيطرة على الأنفاق، وبدت روائح كريهة تفوح شيئا فشيئا إلى أن اصطدمنا بجثة هامدة متحللة وتمت تغطيتها، وعلى ما يبدو أنها جثة مقاتل من التنظيم. صمم التنظيم المدن السبع بشكل منفصل، إلا أن كل مدينة متصلة بشبكات معقدة تحتاج إلى المصمم ذاته لمعرفة التفاصيل والمداخل والمخارج، وجدنا في هذه الأنفاق كل أنواع الخدمات، فقد تم توصيل الأنفاق بالكهرباء وكذلك المياه، فيما تم تخصيص غرف نوم واسعة تكفي أربعة أشخاص. وبحسب إفادات منشقين من التنظيم لـ«عكاظ»؛ قالوا إن هذه الغرف كانت من أجل اجتماعات القيادات البارزة، فيما كانت الأنفاق العادية للمقاتلين من الدرجة الثانية.. وعلى الأرجح تكون هذه الغرف «استراحة» لـ «أميرالتنظيم» الذي يخلو فيها أياما دون أن يعلم عنه أحد شيئا، وفي الغالب يكون هذا القيادي من العراق أو مهاجرا، ذلك أن قيادات الصف الأول يشترط أن تكون عراقية أو من المهاجرين الذين خاضوا معارك في أفغانستان أو الشيشان أو مناطق الصراع الأخرى. وكشف المنشق الذي كان بمثابة الصندوق الأسود للتنظيم لـ «عكاظ»؛ كيف قرر داعش تفخيخ مدينة الباب بالكامل، حتى الأسواق والمنازل التي كان قد سلبها من الأهالي بعد أن قرر الهروب منها، وزرع المفخخات في المناطق السكنية، وأخفى مقاتليه بمفخخاتهم في المحلات التجارية بحيث زودهم بمؤونة أسبوع كامل.. وبالفعل شهدت مدينة الباب مجازر مرعبة بعد خروج التنظيم، إذ خرج هؤلاء من المحلات التجارية وفجروا أنفسهم في التجمعات المدنية. مبينا أن التنظيم جند 100 طفل مفخخ للتفجير في صفوف المدنيين.