يلاحظ أن التلاعب بالمؤشرات وتوظيف الأرقام عملية آخذة في التفاقم على المستوى الإقليمي والعربي، ويوظفها البعض من الساسة أو أصحاب المناصب العليا والقريبون من السلطة في خدمة مصالح ضيقة، من خلال قلب بعض المفاهيم النظرية التي تقوم عليها بعض النظريات الاقتصادية أو الاجتماعية التقليدية، وهو ما يؤدي إلى خلط الأوراق ويغير في خرائط النسب العامة، ففي تونس مثلا أتذكر أن نتائج المسح الوطني للإنفاق ومستوى المعيشة لسنة 2015 والتي صدرت عن المعرض الوطني للإحصاء أثارت ضجة حينها عندما أشارت إلى أن نسبة الفقر في تونس تراجعت بحوالى 5 نقاط بين 2010 و2015 لتصبح 15.5% في عام 2015 بدلاً من 20% في عام 2010 وهو رقم يتضارب مع أرقام نشرتها الوزارة المشرفة على معهد الإحصاء عام 2012 (وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي).

التلاعب في نسبة قضية وطنية هامة وحساسة كالفقر مثلا أثار جدلا واسعا في تونس وجعل بعض قادة الرأي العام يشككون في المنهجية التي قامت عليها أخلاقيا، قبل أن تكون مهنيا، وقبل أن يسارع مدير المعهد إلى استدراك الأمر ويؤكد العودة إلى اعتماد المنهجية القديمة وتصحيح نسبة الفقر لسنوات 2000 و2005 و2010 تحت ما يسمى بالفرنسية retropdation أي إعادة احتساب نسب الفقر الماضية من المنهجية السابقة والمعتمدة والتي سبق وأن أثارت جدلاً شعبيا منتصف 2011 بعد أن نشرت وزارة الشؤون الاجتماعية نسبة فقر تقدر بـ24.7% ويعلق أحد الخبراء هناك بأنه لا يمكن الدخول في المفاضلة الأخلاقية بين هذه المنهجيات؛ لأن لكل منها مدرستها مع اختلاف التوظيف السياسي والحزبي فيما تبقى المقاربة النقدية في قياس مؤشر الفقر، اعتماداً على عنصر النفقات هي الأنسب للدول النامية.

الشاهد أن هذا مثال حقيقي ومعلن على التلاعب في الإحصائيات والبيانات الرسمية وأساليب استخراج المعدلات والمؤشرات العامة، وما خفي أعظم وأعم، وهي الورطة التي يعاني منها البنك الدولي والمنظمات الدولية ومؤسسات القياس والاعتماد العالمية والذي يمثل نموذجا صارخا لأساليب تسييس الأرقام وتوظيف المؤشرات للتغطية على بعض النتائج الفاشلة تنمويا، إن لم نقل الفساد المصاحب لهذا الفشل والذي ينخر في جسد هذه المؤسسات المنهك، وعليك أن تتخيل حجم الانحراف في المعايير والمؤشرات والتراتبيات المعلنة في الدول العربية وهندسة التلاعب بالإحصائيات، كالبطالة، وتكاليف المعيشة ومعايير التعليم والصحة والغنى والفقر وغيرها.