هناك تصورات عدة لبدء الكون، ومعظمها افتراضي. تبعاً لذلك طرح مفكرون وفلاسفة نظريات خالدة عن قيام الدولة ونشوء السلطة منها ما اتفقوا على ضبطه مثل العقد الاجتماعي، مع اختلافهم في حالة الفطرة الأولى. هل كانت نزاعا وشقاقا؟ أم أنها كانت حالة وفاق؟ وجاء العقد الاجتماعي لينظم الأمور، ويقننها ويحفظ حقوق كل طرف؟

للدولة تعريفات عدة. منها أنها سلطة لتنظيم المجتمع والإشراف على نشاطه، ومن أركانها (الشعب، والأرض أو الجغرافيا، والفكرة أو الأيديولوجيا، والمقوم الاقتصادي). هناك دول قامت على الاقتصاد فكانت ذهنيات الحكومة والشعوب مالية. كما أن دولاً قامت على أيديولوجيات. وربما كانت الأيديولوجيا مسوغاً لإجراءات تشريعية وتقنينية عدة لرفد الوضع المالي لخزينة الدولة دون نكير ممن آمن بالأيديولوجيا وارتضاها شعاراً وممارسة. وهذا أيضاً مما أباحه الإسلام عن طريق أخذ المال من الأغنياء ورده على الفقراء وتأمين مصارف للجيش من خلال تشريع جباية الزكاة والصدقات ودفع الجزية.

ولو افترضنا أن الجزيرة العربية في بدء التوحيد كانت تنعم بالخيرات، حينها (ربما) يكون مشروعها الأول (اقتصاديا) لأن من نتاج وفرة المال استقرار المجتمع، وقبوله بالسلطة التي تحقق له الرخاء. أما وقد كان زمن تأسيس الدولة زمن خوف وغزو ونهب وسلب فمن الطبيعي أن تبحث المجتمعات عن الأمن لتقصير (طول ذراع) قوى جائرة. وهو ما حققه الملك عبدالعزيز رحمه الله، إذ انصب جل نشاطه على تأمين البلاد.

وتظل دولتنا نموذجاً في التوازن بين الأفكار وبين الاقتصاد. ففي أزمنة الشح والكفاف كما في زمن المال والانفتاح على الدنيا، لم يخل أحدٌ بمفهوم الدين الصحيح ولم يهمل مسؤول احترام الدعاة وإن حاول البعض إثارة البلبلة، وستظل المملكة من أنجح الدول في المواءمة بين مطالب الدنيا والدين.

نحن اليوم في زمن وحدوي قريب من المثالية، والذين يحاولون العودة بالمجتمع للوراء واستنبات مبررات عفا عليها الزمن وإثارتها لخدمة أهداف عدوانية نقول لهم نحن اليوم في زمن اقتصادي وفي معظم دول العالم لم تعد الأيديولوجيا محل نزاع أو خلاف أو جدل. فالكل مؤمن بثقافة الإنتاج والعمل.