اشتهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنه مقامر ذكي شكل ثروته بقدرته على إقناع البنوك والمستثمرين الدخول في مشاريعه العقارية، وكانت حيلته أنه يقوم بالحصول على أراض داخل نطاق نيويورك مع مجموعة من أصدقائه ثم يطلب قروضا من البنوك بما يساوي ٩٠-٩٨٪ من قيمة المشروع، فإذا نجح يصبح مالكا لأغلبية أسهمه ويرد الأقساط على مدى سنوات طويلة وإذا خسر فاستثماره لم يتجاوز النسب المعقولة التي يستطيع أن يتحملها.

في السياسة هناك أمثلة كثيرة على الذين يستخدمون هذه الأساليب التي تبدو في ظاهرها مشروعة وقانونية، لكن الهدف المخفي منها هو تركيز السلطة كما الثروة، ولقد برع الإيرانيون في سياسة حافة الهاوية وكانوا يمارسونها مدركين خطورتها لكنهم كانوا يعلمون أيضا متى يتوقفون، وساعدهم في نجاح هذه الممارسة المستفزة أن الغرب فقد قدرته على التأثير داخل إيران فصار رهينة مضطرا للتعامل معها على أمل ضبط تصرفاتها من خلال التعامل المباشر، بينما كانت طهران رغم حاجتها الماسة لإنهاء الحصار الاقتصادي والمالي تعلم يقينا أنها تمتلك أوراقا تتلاعب بها وتستطيع استخدامها رغم وهنها وعجزها.

الشراكات التي تأسست على حسن النوايا دون نصوص مكتوبة تتشابه في بعض جوانبها العقود التجارية غير المكتوبة التي بنيت على الثقة بين الشركاء فيصبح لزاما أخلاقيا على كل طرف فيها العمل بما لا يربك الأطراف الأخرى ولا يعرض مصالحها للمجازفة، وتقتضي هذه الالتزامات ألا يتخذ أي طرف إجراءات دون التفاهم مع شركائه، ولكن يحدث كما في كل علاقة إنسانية أن يتصور طرف ما، وإن كان الأضعف مساهمة في المشروع، أنه قادر على إنفاذ ما يريد لقناعة ترسخت في ذهنه بأن الأطراف الأخرى قد استثمرت الكثير ولم تعد قادرة على الانسحاب من الشراكة قبل إنجاز المشروع كاملا حتى وإن تناقضت الأهداف النهائية لأن شعور الطرف الضعيف بأن مهمته أوشكت على الانتهاء بإنجاز المتفق عليه تجعله يستخدم كل ما تحت يده لعرقلة الوصول إلى مرحلة تحقيق الأرباح فمكسبه بسيط في كل الأحوال مقارنة بحصص الآخرين ويتصور أن تأخير الانتهاء سيزيد من فرص جني فوائد أكبر له ربما لأبنائه.

استمرار أي شراكة ونموها إيجابيا بين أطراف كثيرة مرتبط بوضوح الهدف والاتفاق على وسائل إنجازه وعدم ترك الظروف والرغبات الذاتية متحكمة في تسيير الأحداث، كما أن قدرة طرف بعينه على إرباك المشهد دون تفاهمات ودراسات لتأثيراته على مجمل الموقف سيرتد سلبا على المساهمين الأكثر استثمارا في المشروع، وفي حالات كثيرة يكون من الحيوي إعادة هيكلة الإدارة الحاكمة للشراكة وإدخال شركاء جدد قادرين على كبح جماح أي طرف يتصور في نفسه القدرة على فرض ما يريد لأن القيمة المعنوية والمادية ستختل وسيتحمل حينها كل الأطراف الثمن بينما سيكون المتسبب الضعيف هو الأقل مسؤولية والأقل تحملا للضرر.

وصل ترمب إلى البيت الأبيض بعقلية المقامر بعد إدراكه أن خسارته للانتخابات التمهيدية لن تثير استغراب أحد في داخل الولايات المتحدة ولا خارجها، فاستخدم كل ما في جعبته من قدرات لإنهاك شركائه في الحزب الجمهوري ويواصل اليوم اتخاذ المواقف السياسية التي لا تقنع أعضاء حزبه ولا ناخبيهم، لكنهم لا يستطيعون معارضته لانه يحمل (عصا الشرعية) وفي المقابل يوفر لهم الغطاء الذي يحتاجونه لمواصلة نشاطاتهم.

في السياسة كما في التجارة يمكن التوقف لإعادة قراءة الموقف وإحداث التعديلات الواجبة لاستمرار العمل بنجاح ودون عراقيل.

* كاتب يمني وسفير سابق

mustapha.noman@gmail.com