عبير عباس (جازان)
Aborah5A@

وتبقى حيرة المعلمات المغتربات مستمرة، بين تحقيق الحلم والطموح، وبين البعد عن الأسرة والأبناء، فكلاهما أمرّ من الآخر، فيما يأملن بإنهاء حالة ترحالهن، والنظر في أمرهن بشكل عاجل، خصوصا من أجبرهن العمل على المخاطرة بحياتهن، والتنقل في مناطق نائية، فتحملن أعباء الطرق الوعرة، بالمناطق الجبلية شرقي جازان، على أمل أن يأتي يوم يلملمن فيه شتات أسرهن، ولو بعد حين.

وتمتد رحلة عمل المعلمة المغتربة من الثالثة فجراً وحتى الخامسة مساء، في الوقت الذي تتقاذف الجهات المعنية مسؤولية إزهاق أرواح بعضهن في الطرقات المؤدية إلى القرى والمناطق الجبلية، وبما يفتح باب التساؤلات حول أسباب تزايد مشكلة تهدد حياة المعلمات والطالبات على حد سواء، ما يزهق أرواحا بريئة، تسعى وراء رزقها في مناطق نائية، ومنهن من يقطعن مئات الكيلومترات ذهابا وإيابا يوميا، في رحلة يكتنفها الخطر والغموض، يتربص بهن الموت في الطرق الجبلية، بسبب وعورة تلك الطرق، وتهالك المركبات التي تنقلهن، فيما يجلس خلف مقودها في الغالب أحد كبار السن، ما يؤدي بالتالي إلى مزيد من الدماء والبكاء، ودفاتر وأقلام مبعثرة على الأسفلت، وحزن على زوجة أو أخت أو بنت، تظل صورة فجيعتها في الذاكرة لا يمحوها الزمن.

«عكاظ» رصدت عددا من الطرق الجبلية النائية الوعرة التي تسلكها المعلمات يوميا في طريقهن إلى المدارس التي تم تعيينهن بها، والتي تعلو جبال بني مالك وطلان وجبال وادي الدفا وجبل سلا والعبادل وجبل فيفا. واستعرضت هموم المعلمات والطالبات في هذه المرتفعات الجبلية؛ إذ تحكي المعلمة «أم أحمد» معاناتها مع رحلة العمل في هذه المناطق، قائلة: قبل خروجي من المنزل أقبل أطفالي الصغار عند الثالثة فجرا وانطلق مع زميلاتي المعلمات لنقطع مسافة 145 كلم للوصول إلى المدرسة، ولا ندري ما إذا كنا سنعود لأطفالنا أم لا، مؤكدة أن زميلتها في المدرسة نفسها تعاني حالة نفسية سيئة، بعد أن نجت من حادثة سابقة، وكيف شاهدت بعينها زميلات لها توفين في مكان الحادثة، ما أثر سلبا على نفسيتها، وما زالت تعيش المنظر المفجع، رغم طلبها من إدارة التربية والتعليم بمنطقة جازان توفير مركبات ذات دفع رباعي وسائقين مهرة وأكفاء وملتزمين بقواعد السلامة، حتى لا تزهق أرواح جديدة، على حد قولها.

وتقص المعلمة نسرين محمد «أم لطفلين» تفاصيل توظيفها، التي جاءت بعد انتظار سبعة أعوام، قائلة: معاناتي تبدأ قبل الثالثة فجرا، ولا تنتهي قبل المغرب؛ إذ يتعهد أحد السائقين بنقلي وزميلاتي إلى المدرسة، وتدفع كل منا 1000 ريال شهريا، إلا أن معاناتنا تتمثل في مخاوفنا من الطرق الجبلية، خصوصا في موسم الأمطار، ومع طول فترة غيابي، أعود إلى المنزل مرهقة، فيما يدفع أبنائي الصغار ثمن ذلك، لذا أتمنى من الجهات المعنية أن تتجاوب مع طلبات النقل وفقا لرغبة كل معلمة.

ولا تختلف معاناة المعلمة ابتهال الغامدي «من سكان جدة» عن سابقاتها، إذ عينت في مدرسة آل الشريف بإحدى المناطق الجبلية بمنطقة جازان، ما دفعها لترك طفليها البالغين من العمر سنة ونصف وأربع سنوات، لتظل معاناتها مع الطرق الوعرة أهم ما يشغلها، فيما اضطرت للنقل إلى جازان، وتحمل نفقة إيجار شقة يبلغ نحو 4500 ريال شهريا، إضافة إلى التنقل للمدرسة بسيارتين بقيمة 1600 ريال شهريا، ناهيك عن استغلال السائقين في مشاويرها العامة، علاوة على رداءة المركبة. وتشعر بالحيرة والاستياء حين ينتهي الأسبوع، ما يضطرها للسفر إلى طفليها وزوجها نهاية كل أسبوع، ما يرهق كاهلها بالمزيد من التكاليف، ناهيك عن إرهاق السفر.

أما المعلمة «أم أريام» فترى أن فرحتها بتحقيق حلم التخرج والعمل في المجال التربوي لم تكتمل، فقصتها في خوض غمار الوظيفة مختلفة بعض الشيء، إذ تتحمل مشاق الطريق يوميا من محافظة الطوال أقصى جنوبي جازان إلى مركز جبال سلا، ما يعني أنها تقطع رحلة يومية لا تقل عن 180 كلم، تبدأها قبل صلاة الفجر، تقطع خلالها السيارة مسيرة ثلاث ساعات يوميا للذهاب ومثلها للعودة، تاركة أبناءها الصغار مع جدتهم المسنة، لتعود لهم قبل صلاة المغرب.

وتختلف نتائج معاناة المعلمة هنادي عن سابقاتها، خصوصا أن طلبات نقلها لم تؤتِ ثمارها، ما أنهى حياتها الزوجية بالطلاق، بعد معاناة لأكثر من أربع سنوات من عدم الاستقرار الأسري، وغيابها عن تربية أطفالها الثلاثة، إذ تصل إلى المنزل مرهقة من مشاق الطريق، فتخلد للنوم سريعا، لتستيقظ قبل الثالثة فجرا لتصل إلى المدرسة بجبل طلان الشاهق في الموعد المحدد.

من جهته، يشير خالد علاقي «زوج معلمة» إلى تعرض زوجته لمضاعفات صحية، تمثلت في ارتفاع ضغط الدم وصداع شديد يلازمها بشكل شبه يومي، نتيجة الإرهاق الذي تعانيه من مشاق الطريق الجبلي المؤدي إلى المدرسة التي تعمل بها، مضيفا: أوصل زوجتي عند الثالثة فجرا إلى سائق النقل في أحد المواقع، لتصل إلى المدرسة عند السادسة والنصف، فيما تعود إلى المنزل بعد صلاة العصر، ما أدى إلى إرهاقها نفسيا وجسديا، لدرجة أنها تفكر في الاستقالة من مهنة التعليم، حتى تكفي أسرتها مشقة الانتقال إلى تلك المناطق النائية.