قبل طرح النظريات المفسرة لحركة الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة مثل نظرية الأسواق الكاملة ونظرية عدم اكتمال السوق والتحليل الكمي، ونظرية جانب الطلب، وقبل اختبار محددات الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد ومن بينها المحددات الاقتصادية وهي قائمة المؤشرات الأساسية للمستثمر الأجنبي مثل درجة الانفتاح الاقتصادي والقوة التنافسية للاقتصاد المحلي ومكامن قوة الاقتصاد والقدرة على إدارة الاقتصاد بالكفاءة المطلوبة، وطبيعة السياسات الاقتصادية الكلية، وقبل الدخول في المحددات الرئيسية (ما قبل الاقتصادية) الخاصة بالنظام السياسي والبيئي والمؤسسي، ينبغي أن نحدد الطاقة المقدرة والاستيعابية للاستثمارات الأجنبية في المملكة والفجوة بينهما وبين ما هو حاصل على أرض الواقع وأسباب ذلك، وقياس العائد على الاستثمار الحالي ليس على البلد فقط، وإنما على المستثمر الأجنبي أيضا باعتباره جزءاً لا يتجزأ من كفاءة هذه المعادلة سواء بالسلب أو الإيجاب.

هذه هي الخطوة الأولى لقياس كفاءة الأنظمة والتشريعات والهياكل السوقية ومثل هذه النتائج هي اختبارها الحقيقي بعيدا عن لغة الأرقام العمومية والمقارنات الانتقائية، والانطلاق منها نحو مزيد من الإصلاحات لترميم هياكل أسواقنا وتشريعاتنا العامة، خصوصا وأن معظم الدول تقوم بإعداد دراسات مستقلة ترصد كل هذه المعطيات وتختبر قدراتها على الاستثمار المتوازن، وليس على الاستثمار النسبي القائم على توافر ميزة نسبية فقط قد لاتستمر، وفي نفس الوقت قد لاتعكس مناخ الاستثمار العام والحقيقي، كل ذلك في سبيل تحقيق ما هو أهم في نهاية المطاف وهو تحقيق غايات الاستثمار الأجنبي وقياس أثرها وفق المعايير الدولية المتعارف عليها في كل دول العالم، فكل الدراسات في هذه الدول تنصب في الغالب على العلاقة المباشرة بين النمو الاقتصادي والاستثمار الأجنبي (دون إغفال الجوانب المباشرة مثل نقل التقنية ومكافحة البطالة وتوسيع قاعدة الاقتصاد... الخ) باعتباره أبرز أهداف هذا الاستثمار، لكنني لم أجد دراسة سعودية واحدة صادرة تقيس هذه العلاقة، وكل ما يطرح عن الاستثمار الأجنبي هي أرقام عمومية منتقاة لا تقيس الأثر، ولذلك سيكون مقالي يوم غد عن هذا الموضوع المغيب (قياس الأثر) والذي يفترض أن يكون رديفا لأي تقرير اقتصادي وموضوعي عن قيمة وكفاءة مثل هذه الاستثمارات، وإطارا محددا لأرقامها الفضفاضة.