لم تكن المسؤوليات الجسام مطمحاً اجتماعياً، برغم بهرجة ووجاهة المنصب. ومما جاء في الأثر عن الولاية "نعمت المرضعة وبئست الفاطمة" وعندما أشار بعض الصحابة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجعل ابنه عبدالله من المرشحين للخلافة قال «يكفي آل الخطاب أن يعذّب منهم واحد».

بالطبع هناك تغير في المفاهيم مع تغير وتطور العصور والأزمان، وبقدر ما تتغول الماديات داخل إنسان بقدر ما يفقد من إنسانيته ومروءته وحسن خلقه ما يحيله إلى كائن جشع لا يشبع وتدفعه أنانيته إلى تشويه كل ما حوله حد العبث الصبياني الممجوج.

مما رواه الراحل الكبير غازي القصيبي في كتابه حياة في الإدارة أن أحد جيرانه ممن يراهم بصفة يومية كان بالكاد يلقي على أبي سهيل السلام، وأحياناً يتجاهله عندما يراه بالقرب من منزله، حتى ولي القصيبي مسؤولية إدارة هيئة السكك الحديدية، وإذا بالجار يزوره في المكتب ويحلف أن العشاء عنده، فوقف القصيبي -رحمه الله- وحرك كرسيه بيديه إلى الزائر وقال «خذ الكرسي يتعشى عندك».

عودتنا دولتنا -أعزها الله- أن تغير وتطور وتحدّث ما أمكنها، وليس بين أي مسؤول وبين المنصب عقد أبدي كون القيادة ترى وتسمع وتقيّم كل مسؤول من خلال رصد المنجزات لأن تقنية زمن اليوم لم تعد تخبئ أحداً.

لم أشمت يوماً بمسؤول تم إعفاؤه، فالشماتة من أخلاق الوضيعين. ولكني أستبشر بكل قادم ليقيني أن قيادتنا يعنيها المصلح أكثر مما يعنيها الصالح. ونحن في عصر التحولات المتسارعة والمؤشرات تصب في خانة ارتفاع معدل الوعي بين كل شرائح المجتمع. ومن لم ينجح في طبع بصمة إيجابية فالأفضل له أن يترجل قبل أن يُرجّل.

ربما لم تصل النخب في المجتمع إلى تصور تكاملي للمؤسسة الحكومية ومعايير إدارتها؛ كون الشخصي طغى على الموضوعي. وهنا إشكالية كبرى أن يدار أي قطاع أو جهة برغبة واستمزاج فرد واحد فذاك شأن الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم.

أتصور أن رؤية 2030 تقتضي أن يكون جميع مسؤولي القطاعات الحكومية في مستواها وعياً وممارسة، فالمواطن ليس رخيصاً عند دولته ومن استرخصه أرخصه الله.