لو أوقفت أشخاصا في الشارع وسألتهم ماذا يعرفون عن أخطر ظاهرة تواجه صغار السن وحتى كبارهم وتحول حياتهم إلى جحيم وتجعلهم يمتنعون عن الذهاب للمدرسة أو العمل وحتى تقودهم للانتحار أو توصلهم لدرجة من انفجار الغضب المحتقن تجعلهم يقترفون مجزرة بحق أقرانهم، وهم يتعرضون لعذابها في العالم الواقعي وفي العالم الافتراضي متمثلا بالإنترنت وأجهزة الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي وتصيبهم بالأمراض النفسية والاجتماعية وتشوه شخصياتهم وتضرهم صحيا وقد تضيع مستقبلهم، ألا وهي ظاهرة «التنمر» وبهذا المصطلح، غالبا ستكون النتيجة أن غالبهم لن يعرفوا ما هو معنى ودلالة مصطلح «التنمر» المترجم عن المصطلح الإنجليزي «Bullying» ومن ليست له معرفة بالثقافة الغربية ومدلول هذا المصطلح فيها لن يكون لمصطلح «التنمر» أدنى معنى بالنسبة له، بينما لو سئل عموم العرب عن ذات الظاهرة وتم إطلاق مصطلح «البلطجة» عليها فجميعهم سيعرفون تماما ما تعنيه هذه الظاهرة، فمجرد إطلاق المصطلح المناسب على الظاهرة هو نصف الطريق إلى نشر الوعي بحقيقتها وأضرارها ووسائل التعامل السليم معها، وللأسف توصيف ظاهرة خطيرة ومنتشرة مثل البلطجة في المدارس والبيوت والشوارع والواقع الافتراضي الإلكتروني ما زال هلاميا وضعيفا. وسبب أساسي في ذلك هو تبني ترجمة غريبة تماما عن الثقافة العامة واللغوية في العالم العربي وليس لها أي جذور في الذهنية والنفسية العامة، فللأسف رغم وجود مجامع لغوية للغة العربية لكنها بلا أثر يذكر في الثقافة العامة اللغوية العربية، فهي عندما تصدر ترجمات للمفاهيم والمصطلحات الأجنبية المستحدثة فالترجمة غالبا تكون إما حرفية سطحية لا جذور ولا دلالات ثقافية ذهنية ونفسية لها في الثقافة العامة أو تكون غير مستساغة حتى أن البعض يتداولها على وجه السخرية بسبب غرابتها، وعموما مصطلح البلطجة برز بشكل كبير منذ الثورة المصرية لدور البلطجية أثناءها بالإضافة للصورة الذهنية السلبية عن البلطجية في الأفلام والمسلسلات المصرية وهي فرصة ذهبية لخلق نفور عام من السلوك البلطجي في المدارس والبيوت والشوارع والعالم الافتراضي بتوظيف مصطلح «البلطجة» بدل «التنمر» فهو ردع نفسي بالنفور من الصور الذهنية السلبية المرتبطة بالمصطلح، فالصور الذهنية السلبية عن البلطجي تعادل وصف شخص بأنه «داعشي»، كما أن توحيد مسمى هذا السلوك العدواني هو بحد ذاته بيان لأهم روافده؛ فمن يتعرض للبلطجة في بيته سيمارسها على أقرانه في مدرسته، ومن يتعرض للبلطجة في مدرسته سيمارسها لاحقا على مجتمعه، ولهذا البلطجة على أفراد العائلة ليست «شأنا عائليا» فبقية المجتمع سيدفع ثمنها.

bushra.sbe@gmail.com