قرأت لأحمد أمين، وأنا طالب في المعهد العلمي في الباحة عام 1400هـ، معلومة وردت في أحد كتبه، مضمونها أن الإنسان صدى لكثير من الآباء والأجداد السالفين، حينها لم يكن بعد قد ظهر علم (الجينوم) ولا طرقت منجزاته الأسماع، كنتُ أستعيدُ ما قاله أمين وأسأل نفسي «كم في داخلي من أصداء الآباء والأجداد؟».

عندما أتغير من فرح إلى حزن، أحكم بأن أحد أجدادي حزين، وإذا تلبّستني حالة من تنسّك قلت «أبٌ من أسلافي تنازعه رغبة في عبادة ما»، وأصدقكم أن القضية ولّدت في الفؤاد أسئلة لا أجوبة شافية لها.

منذ أعوام، أثبتت دراسات أجراها باحثون أمريكيون من جامعة (بافلو) أن الجينات الوراثية تتحكم في شخصية وطباع الإنسان، ليكون شخصاً لطيفاً أوعنيفاً، مؤثراً أم أنانياً، مسالماً أم عدوانياً، تقليدياً أم عصرياً. ورجحت الدراسات أننا ولدنا بتلك الطباع والخصال، ولا دخل للبيئة ولا للتعليم في ما نحن عليه من أخلاق أو قناعات أو ملامح. ومثلما جاء في الحديث النبوي عندما احتج زوج أبيض على ولادة زوجته ابناً أسود، فقال النبي عليه السلام «نزعة عرق».

نزعة العرق الواردة في الحديث منذ أربعة عشر قرناً يؤكدها العلم الحديث، فالإنسان لا يكتسب الطباع الحميدة، والسلوك السوي، والسمت الحسن، والقلب الطيب، ولا الطباع الخبيثة، من كذب وظلم وأنانية، من المحيطين به أو من البيئة التي نشأ فيها، بل هي نتاج ما اكتسبه من الجينات الوراثية الخاصة بالأبوين أو أحد الأقارب.

العلم ثبّت قناعتي، خصوصاً أننا نأخذ 50% من المورثات من الأب، و50% من الأم. والأب والأم أخذا من الأجداد، والأجداد أخذوا من آبائهم حتى آخرهم. ونظراً لقناعتي الراسخة بأن في داخلي مئات الآباء والأمهات، ذهبت أتسلى يومياً بالتوفيق بين رغباتهم وتطلعاتهم وجنونهم وعقلانيتهم، ودخلت في تحدٍ مع نفسي مؤملاً النجاح في أن لا أُغضب أحداً من سلالتي الممتدة إلى آدم عليه السلام.

الإشكالية الكبرى ليست في من يسكنني من الإنس والجن، بل في تطوع أوصياء بالعشرات ليحددوا اختياري، ويصوبوا مساري، وما بين جينات الآباء وجنون الأوصياء هل أكون إنساناً كامل الأهلية؟.